التسامح الديني في شعر أحمد شوقي.. عن مصر المصرية وغزل النساء في منزل صفية زغلول.. وإضاءات أخرى

إبداء الرأي والتحليل من للكتابات من كاتب أخر أمر يفيد القاريء جداً في تكوين فكرة أكبر عن هذا الكتاب أو هذه الرواية ، وهذا ما يهتم به موقع آخر مترو دائماً، حتى يتيح للقاريء الخروج برؤية واضحة من هذه الكتب التي يقرؤها، وكذلك تعريفه أكثر بالكاتب مثل أحمد خالد توفيق  و أحمد مراد

الأستاذ الدكتور محمد أبو علي- أستاذ البلاغة بجامعة دمنهور: لا يُنْكِرُ أَحَدٌ تَجَاوُر الدِّيَانَات الثلاث (الإسلام – المسيحية – اليهودية) في مِصْر لأسبابٍ كثيرة؛ فالإله واحد، والديانات ثلاث؛ وقد كانت هناك مَظَاهر تَعَايُش واحترام بين الديانات الثلاث، بَرَزَتْ فِي شِعْر شوقي، الذي عَبَّرَ فِيهِ عَنْ وَعْيه العَمِيق بِدُور القبط في مِصْر، وقَبُوله الرَّشِيد للآخر غير المُسْلِم .

الشاعر أحمد شوقي والدكتور محمد أبو علي

التلاحم الإنساني في مصر.. علامات من السينما والتاريخ


وتَجَلَّتْ هذه المَظَاهِر في الشَّرَاكَة التجاريَّة بين أصحاب الديانات الثلاث، التي ظهرت في السينما المِصْرِيَّة في فِيلمي: (فاطمة وماريكا وراشيل)، و(حسن ومرقص وكوهين)؛ فقد صَوَّر الفيلمان، وغيرهما من أعمال سينمائية، هذا القَبُول والانْصِهَار بين هذه الديانات.
ولم يَقْتَصِرُ الأَمْرُ عَلَى هَذَا الحَدّ ، بل وَصَلَ إلى ذروته في ثورة 1919م؛ إِذْ تَجَمَّعَ النساء القبطيات عند صَفِيَّة زغلول، وَغَزَلْنَ على أعلام الثورة الهلال مُعَانِقًا الصليب؛ وخَرَجْنَ مع المتظاهرين يَهْتِفْنَ بالاستقلال، فضلاً عن دُخُول أَئِمَّة المَسَاجِد الكَنَائِس والأَدْيِرَة لِزِيَادَة حَمَاس المُتَظَاهِرِين، وبالمثل اعتلى القساوسة والرهبان المنابر لِشَحْذ هِمَم المُتَظَاهِرِينَ، ومنهم القمص ملطي سرجيوس عبد الملاك.

إلى جانب وُجُود شَخْصِيَّات مَسِيحيَّة أَثَّرَتْ في المُسْلِمِينَ؛ لدرجة دفعت أحد الشُّيُوخ، ويُسَمَّى مُصْطَفَى، أَنْ يُسَمِّي طِفْلَهُ اسمًا مُرَكَّبًا تَيَمُّنًا بصاحب الاسم، وهو مَكْرَم عبيد مُصْطَفَى؛ وذلك لأنَّه كان أحد الشخصيات المُعْتَدِلَة الحَافِظَة لِلقُرْآن الكَرِيم.

في ذكرى ميلاده| «مكرم عبيد» المشيع الوحيد لجنازة البنا نكاية في الملك |  بوابة أخبار اليوم الإلكترونية
مكرم عبيد

بجوائز 6000-4000-3000 دولار لكل فرع.. تقدم الآن إلى جائزة الشارقة للإبداع العربي في الشعر- الرواية- القصة القصيرة- النقد الأدبي-المسرح-أدب الطفل


وقد ظهرت الهُوِيَّة المَسِيحِيَّة فِي شِعْر شَوقِي؛ لأنَّهُ لا يستطيع أن يختزل هذا الجزء البارز من تاريخ مصر؛ لقد عَرَضَ فَتْرَة الاندماج بين المجتمع المسيحيّ المصريّ، والوافد العربيّ الإسلاميّ، وصَوَّر كيف أعان الإسلامُ المسيحيينَ، وأخرجهم من حُكْم الرُّومان الغَاشِم، على يد عمرو بن العاص، وجيوشه، يقول في قصيدته (أبو الهول):


فَكَيفَ رَأَيتَ الهُدَى وَالضَّـلالَ ، وَدُنْيَا المُلُوكِ ، وَأُخْرَى عُمَرْ ؟
وَنَبْذَ المُقَوقِـسِ عَهْدَ الفُجُـورِ ، وَأَخْـذَ المُقَـوقِسِ عَهْدَ الفَجَـــرْ
وَتْبِديلَـهُ ظُلُمَـاتِ الضَّـلا لِ بِصُبْـحِ الهِـدَايَةِ لَمَّـا سَـفَــــــــــــــــرْ
وَتَأْلِيفَهُ القِبَـطَ وَالمُـسْلِمِيـ ـنَ كَمَـا أُلِّفَـتْ بِـالوَلاءِ الأُسَـــــــــــرْ .

التاريخ القبطي كأحد أعمدة الهوية المصرية

هنا يكشف شوقي عن عمود من أعمدة الهُوِيَّة المِصْرِيَّة، وهو الجانب القِبْطِيّ، ونقصد به الفترة المسيحيَّة التي عاشتها مصر، وهي غالبًا سنة 284م؛ فقد أخذت مصر وقتئذٍ معلمًا حضاريًّا جديدًا؛ فاللغة تغيَّرَتْ وَسَادَتْ اللغة القبطيَّة، والديانة أيضًا تغيَّرَت وسَادَتْ الديانة المسيحيَّة.

الفن القبطي" يبوح بأسرار المرأة في مصر القديمة | اندبندنت عربية
صورة من الفن القبطي


على أن كلمة (قِبْطِيّ) لا تُرَادِف بالضرورة كلمة مسيحيّ؛» فكلمة القِبْطِيّ تعني مِصْرِيّ في هذه الفترة، لا دِينًا بعينه”.
والمسيحيَّة عند شوقي ليست دِيَانة فحسب، وإنما رافدٌ من روافد الشِّرْق، مِلْؤُه التَّسَامُح، والخُلُق الطَّيِّب، يَسْتَنِدُ إلى تعاليم عيسى (عليه السلام)، يقول في قصيدته (الأَنْدَلُس الجديدة) مُخَاطِبًا السيد المسيح :


عِيسَى ، سَبِيلُكَ رَحْمَةٌ، وَمَحَبَّةٌ فِي العَالَمِينَ، وَعِصْمَةٌ، وَسَــــــلامُ
مَا كُنْتَ سَفَّاكَ الدِّمَاءِ، وَلا امْرَأً هَـانَ الضِّعَـافُ عَـلَيهِ وَالأَيـــــــتَامُ
يَا حَامِلَ الآلامِ عَنْ هَـذَا الوَرَى كَثُـرَتْ عَـلَيـهِ بِـاسْمِــــــــــــكَ الآلامُ
أَنْتَ الذِي جَعَلَ العِبَـادَ جَمِيعَهُمْ رَحِمًا، وَبِـاسْمِكَ تُقْـطَعُ الأَرْحَامُ
خَلَطُوا صَلِيبَكَ وَالخَنَاجِرَ وَالمُدَى كُـلٌّ أَدَاةٌ لِـلأَذَى وَحِـمَــــــــــامُ

ويقول في قصيدته (كِبَــــــــــــــــــــار الحَوَادِث فِي وَادِي النِّيل) :


وُلِـدَ الرِّفْـقُ يَومَ مَولِدِ عِـيسَى وَالمُرُوءَاتُ ، وَالهُـدَى ، وَالحَيَــــاءُ
وَازْدَهَى الكَونُ بِالوَلِيدِ ، وَضَاءَتْ بِـسَنَـاهُ مِـنَ الثَّـرَى الأَرْجَـــــــاءُ
وَسَرَتْ آيَةُ المَسِيحِ ، كَمَا يَـسْـ ـرِي مِنَ الفَجْرِ فِي الوُجُودِ الضِّيَاءُ
تَمْلأ الأَرْضَ وَالعَـوَالِمَ نُــورًا فَالثَّـرَى مَـائِـجٌ بِـهَــــــــــــــــا وَضَّـاءُ
لا وَعِيـدٌ , لا صَولَةٌ , لا انْتِقَامُ لا حُسَــــــــــــامٌ، لا غَـزْوَةٌ، لا دِمَـاءُ


الأخلاق.. ملامح مسيحية

تقوم الديانة المَسِيحِيَّة على الدعوة إلى الرِّفْق، والمُرُوءَة، والهِدَايَة، والحياء، والمَحَبَّة، والسلام، والتسامُح؛ فتمتلئ الأرضُ نُورًا، وتَخْلُو من الوعيد، والتهديد، والعِرَاك، والانتقام، والسيف، والغزو، وسَفْك الدماء .
نُلاحِظُ أَنَّ القِيَم التي مَدَحَ بها شوقي محمدًا (صلي الله عليه وسلم ) هي نفسها التي مدح بها المسيح (عليه السلام)؛ حَتَّى تكاد تكون الألفاظ واحدة، وعلى الأخصّ في احتفائه بميلاد المسيح؛ فقد جاء شبيهًا باحتفائه بميلاد محمد (صلي الله عليه وسلم)، يقول في (الهَمْزِيَّة النَّبَوِيَّة) الشهيرة:


وُلِدَ الهُدَى ؛ فَالكَائِنَــــــــــــــــــاتُ ضِيَاءُ وَفَـمُ الـزَّمَانِ تَبَسُّمٌ وَثَنَاءُ


الإسلام والمسيحية قرينان في شعر شوقي

والمُتَتَبِّع لِشِعْرِهِ يَجِدُهُ يَكَادُ لا يَتَكَلَّم عن الإسلام إلا ويتكلم عن المَسِيحِيَّة، أو شَخْص المسيح تحديدًا، بمنطق قِوَامُهُ التسامُح، والفكر المستنير الذي يتسع للاختلافات كافَّة، بوصفه مِصْرِيًّا يَجْمَعُ في هُوِيَّته بين الإسلام والمسيحيَّة لكونهما أساسًا لخلفيته الثقافيَّة، ويُظْهِرُ التَّسَامُحَ بوصفه مركَّبًا أصيلاً يربط الرَّوافد المُشكِّلة للهُوِيَّة المِصْرِيَّة كافَّة، كما نرى في قوله في القصيدة نفسها:


أَثْنَى المَسِيحُ عَلَيهِ خَلْفَ سَمَائِهِ وَتَهَلَّلَـتْ وَاهْتَـزَّتِ العَــــــــــذْرَاءُ
يَومٌ يَتِيهُ عَلَى الــــــــــــــزَّمَانِ صَبَاحُهُ وَمَسَـاؤُهُ بِمُحَـمَّـدٍ وَضَّـاءُ

الأقباط متحدون - لا يحيا الهلال مع الصليب

فالمسيحيَّة والإسلام -مِنْ مَنْظُورِهِ المُتَسَامِح- بِمَنْزِلَة الصباح والمساء، اللذينِ تَعَاقَبَا على الشخصيَّة المصريَّة؛ فطبعاها بطابعٍ خاص قلَّما يتوفَّر لشعبٍ من الشعوب.
يقول في قصيدته (نهج البُرْدَة)، حين تَعَرَّضَ لدور السيف في الفُتُوح الإسلامية:


سَلِ المَسِيحِيَّةَ الغَرَّاءَ : كَمْ شَرِبَتْ بِالصَّابِ مِـنْ شَهَـوَاتِ الظَّالِمِ الغَلِمِ
طَرِيدَةُ الشِّرْكِ ، يُؤْذِيهَا ، وَيُوسِعُهَا فِي كُـلِّ حِيـنٍ قِـتَالاً سَاطِعَ الحَدَمِ
لَولا حُمَـاةٌ لَهَـا هَـبُّوا لِنُصْرَتِهَا بِالسَّيفِ، مَـــا انْتَفَعَتْ بِالرِّفْقِ وَالرُّحَمِ

إنه يُوَازِنُ بين موقف السيف في نُصْرَة الدِّيَانَتَينِ , ويُدَلِّلُ على تَشَابُههما في ذلك أيضًا؛ فهم مُضْطَرُّونَ إلى شيءٍ مِنَ العُنْفِ ليحموا قِيَمَهُمْ النبيلة، ولكن السَّيفَ لا يُقِيمُ دَعَائِمَ المُلْكِ، أو يَفْتَح مَغَالِيق القُلُوب .
ولن نجد بأية حال شُبْهَة تعصُّب عند شوقي، إِنَّ ذلك مُحَال عند شاعر الهُوِيَّة المصريَّة؛ فهو يرى الأُمُور بمقياس رحيب، قِوَامُهُ الإيمان بالحُرية، وقَبُول التَّعَدُّدِيَّة، إِنَّهُ فِكْرٌ يَقُومُ على التسامُح، وقَبُول الآخر؛ فإنَّ الآخر لَيسَ عَدُوًّا، ولا مُخْتَلِفًا، وإِنَّمَا شريكٌ في الأرض والتُّرَاث.
وبهذا المَنْطِق الحَضَارِيّ أو قُلْ المُتَسَامِي على ضَغَائِن العَوَام، وتعصبُّهم، نجده يُبْدِي أَسَفَهُ -بِكِيَاسَة ولَبَاقة- لأنَّ كنيسة (أيا صوفيا) حوَّلها العثمانيون مَسْجِدًا، يقول:


كَنِيسَةٌ صَـارَتْ إِلَى مَسْجِدِ هَـدِيَّـــــــــــــــةُ السَّـيِّـدِ لِلسَّـيِّدِ
كَانَتْ لِعِيسَى حَرَمًا؛ فَانْتَهَتْ بِنُصْـرَةِ الــــرُّوحِ إِلَى أَحْمَـدِ
كَنِيسَةٌ كَالفَـدَنِ المُـعْتَلِـي وَمَسْجِدٌ كَالقَصْــــــرِ مِـنْ أَصْيَدِ
وَاللهِ عَــنْ هَذَا وَذَا فِي غِـنًى لَو يَعْقِلُ الإِنْسَـانُ أَو يَهْتَدِي


إِنَّهُ يَقِفُ مَوقِفَ المُعَلِّم، والمُفَكِّر المُصْلِح، الذي لا يتعصب إلا للمجتمع الفاضل الذي يريده؛ فكان -بحقٍّ- شاعر الأخلاق، التي تَقُوم على التَّسَامُح .
ولفظ (التَّسَامُح) له أبعاد: إنسانيَّة، وأخلاقيَّة، وذهنيَّة، ونفسيَّة، واجتماعيَّة، وسلوكيَّة، وثقافيَّة، وحضاريَّة. إنه الطريق للشعور بالسلام الداخليّ والسعادة، والشعور بهذا السَّلام مُتَاحٌ لنا دائمًا، وبعبارة مختصرة: «التَّسَامُح هو احترام الموقف المُخَالِف» .
يقول في قصيدته (الهلال والصليب الأحمران) :


جِبْرِيــــــــلُ، أَنْتَ هُدَى السَّمَاءِ، وَأَنْـتَ بُرْهَانُ العِنَايَهْ
اُبْسُطْ جَنَاحَيـكَ الـلذَيـ ـنِ هُمَـــــــــا الطَّهَارَةُ وَالهِدَايَه
وَزِدِ الهِلالَ مِـنَ الكَـــرَا مَةِ ، وَالصَّلِيبَ مِــنَ الرِّعَايَه
فَهُـمَــــــا لِـرَبِّـكَ رَايَـةٌ وَالحَـــــــــــرْبُ لِلشَّيطَـانِ رَايَه


لقد جمع بين الهلال والصليب في بُوتَقَة واحدة؛ فالهلال رَمْزٌ لِلدِّين الإِسْلامِيّ، والصَّلِيب رَمْزٌ لِلدِّين المَسِيحِيّ، وكلاهما دِينٌ سَمَاوِيّ، يقوم على المَحَبَّة والتَّسَامُح والرحمة، ويُحَارِب حِزْب الشَّيطَان .
ويسأل في قصيدته (عَلَى قَبْر نَابِلْيُون) عن قَضِيَّة صُلْب المَسِيح ، يقول :


أَيُّهَا الغَالُـونَ فِي أَجْدَاثِهِـمْ ابْحَثُوا فِي الأَرْضِ: هَلْ عِيسَى دَفِين؟

عندما تقرأ شعر شوقي «لا تشك في أنه يصف ما يَشْعُرُ به، وما تَشْعُرُ بِهِ أَنْتَ أيضًا، وتقرأ أبيات شوقي فتجد فيها المعانيَ الغالية القِيمَة، قد أُدِّيَتْ في اللفظ العذب الرشيق، وليس فيها للبحث أثر، ولا للتكلُّف مظهر». يقول في قصيدته (الصَّلِيب الأَحْمَر):


سِرْ يَا صَلِيبَ الرِّفْقِ فِي سَاحِ الوَغَى وَانْشُـرْ عَلَيهَا رَحْمَةً وَحَنَانَا
وَالمُسْ جِرَاحَـاتِ البَرِيَّـةِ شَافِيًـا مَا كُنْتَ إِلاَّ لِلمَسِـيـــــــــــحِ بَنَانَـا

إِنَّ الصليب – كما يرى شوقي– يُدَاوِي الجِرَاح، ويَشْفِي المَرْضَى، ويُزِيلُ الآلام .


عن الحضارة كمفهوم مضاد للتعصب

ويَدُومُ المُلْك إِذَا اسْتَنَدَ إلى أُصُول الحضارة ومبادئها الإنسانيَّة التي تَصْلُحُ بها الحياة، «وهذا المعيار هو الذي سَمَا بشعر شوقي وفَتَح عليه أبواب القول… وأنت تقرأ شوقي في الفراعنة أو اليونان أو في الرّومَان أو المسيحية أو الإسلام؛ فترى الرَّجُلَ شاخصًا إلى حضارات هؤلاء الأقوام يُجْمِلُ لك جوهرها في البيت أو البيتين، ويفصلُها لك تفصيلاً في الجَمِّ الغفير من القول، وهو –في إجماله وتفصيله- نافذ البصر إلى مكان المدح ووُجُوه المَآخِذ في الحضارات».
يقول في قصيدته (مَرْحَبًا بِالهِلال) التي قِيلَت في رأس سنة 1326 الهجرية:


عِيدُ المَسِيحِ وَعِيدُ أَحْمَدَ أَقْبَلا يَتَبَارَيَانِ وَضَـاءَةً وَجَمَــــالا
مِيلادُ إِحْسَانٍ ، وَهِجْرَةُ سُؤْدُدٍ قَدْ غَيَّرَا وَجْهَ البَسِيطَةِ حَالا

الشاعر كحارس للوعي الجمعي

وحينما قُتِلَ الوزير المَسِيحِيّ بُطْرُس غَالِي بَاشَا في مصر برصاصة من يد إبراهيم الورداني سنة 1910م، هَاجَتِ النُّفُوسُ، واستاءتِ الأَقْبَاطُ؛ ورَجَّحُوا كِفَّةَ أن الاغتيال نتيجة التعصُّب الإسلاميّ ضِدّ المَسِيحِيينَ؛ فقال شوقي قصيدته (مَصْرَع بُطْرُس غَالِي بَاشَا)؛ لِيُؤَلِّفَ بين قُلُوبِ المُسْلِمِينَ والمسيحيين بعد هذه الفِتْنَة الطَّائِفِيَّة، ويُعْلِنُ إِنْكَارَه لهذا الاعتداء الغاشم، الذي تَرْفُضُه كُلّ الأديان السَّمَاوِيَّة، ويؤكد كونه حَادِثًا سِيَاسِيًّا، ينبغي ألا يُؤَثِّر في قُوَّة الروابط بين المُسْلِمِينَ والأَقْبَاط، يقول:

أَلَمْ تَكُ مِصْرٌ مَهْدَنَـا ثُـمَّ لَحْدَنَا وَبَينَهُمَا كَــــــــــــــــانَـتْ لِكُـلٍّ مَغَانِيَا
أَلَم نَكُ مِنْ قَبْلِ المَسِيحِ ابْنِ مَريَمٍ وَمُوسَى وَطَهَ نَعْبُدُ النِّيلَ جَـــارِيَا
فَهَلاَّ تَسَاقَينَا عَـلَى حُبِّهِ الهَـوَى وَهَـلاَّ فَدَينَاهُ ضِفَافًـــــــــا وَوَادِيَـا؟

يُؤَكِّد ضرورة استمرار الوَحْدَة السِّيَاسِيَّة بين مُسْلِمِي مصر وأقباطها؛ فَإِنَّ المصريين القدماء عَبَدُوا النِّيل قبل أن يَعْرِفُوا المسيحيَّة والإسلام والأديان قاطبةً، فضلاً عن كونهم مُتَجَاوِرِينَ في بُقْعَة مَكَانِيَّة واحدة، ولا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْظَى المَسِيحِيُونَ فيها بالجِوَار الكَرِيم، يقول في قصيدته (بُطْرُس بَاشَا غَالِي):


أَعَهِدْتَنَـا وَالقِـبْـطَ إِلاَّ أُمَّـةٌ لِلأَرضِ وَاحِـــــــــــــــدَةٌ تَـرُومُ مَرَامَا
نُعْلِي تَعَالِيمَ المَسِـيحِ لأَجْلِهِـمْ وَيُوَقِّـرُونَ لأَجْلِنَـــــــــــــــا الإِسْلامَـا
هَذِي قُبُورُكُـمُ ، وَتِلْكَ قُبُـورُنَا مُتَجَاوِرِيـــــــــــــنَ جَمَـاجِمًا وَعِظَامَا
فَبِحُرْمَةِ المَوتَى ، وَوَاجِبِ حَقِّهِمْ عِيشُوا كَمَا يَقْضِي الجِوَارُ كِرَامَا

يظهر حرص شوقي على التَّأَدُّب مع الأديان؛ فإنَّ للمسيحيين مِثْل مَا لنا مِنَ الحُقُوق والوَاجِبَات، ولأننا نعيش في بَلْدَةٍ واحدة؛ فلا بُدَّ من الالتزام بالعيش الكريم في سَلامٍ ووَحْدَة ورِبَاطٍ إلى يوم القيامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى