عراة أم مستورون؟.. رحلة مينيكه شيبر مع قصص الملابس التي لا تنتهي

يحرص موقع آخر مترو على الإهتمام ليس باعمال الكاتبين فقط، بل بحياتهم وسيرهم الذاتية، وكذلك مناسباتهم، تقديرا منه وعرفانا بدورهم المؤثر في نهضة الأدب العربي المعاصر مثل أحمد خالد توفيق و أحمد مراد.

(عراة أم مستورون؟).. بهذا السؤال تغويك الهولندية مينيكه شيبر بالدخول إلى عالم نظرتها الخاصة جداً في كتابها “المكشوف والمحجوب” والتي تتناول فيه الملابس وتاريخها وفلسفتها، ومن خلال عشرات القصص والمرويات في أزمنة وأمكنة مختلفة ترصد تطور (الملابس) كفكرة ليست بالضرورة أن تكون مضادة لفكرة (العري).

الكتاب الصادر في نسخته العربية بترجمة “عبد الرحيم يوسف” عن دار “صفصافة”، يشير إلى أن فكرة “التغطية” كغرض رئيسي لارتداء الملابس كان هدفها في البداية أن يظهر الإنسان أكثر قوة أو جاذبية، أو أن يداري على العيوب، أو ليحمي نفسه من الحر أو البرد أو الأذى، أو ليداري خجله، والعجيب أن هذه الأغراض لم تتغير بعد آلاف السنوات التي استخدم فيها الإنسان الملابس.

ومن خلال قصص من أواسط البرازيل ومن أثيوبيا ومن بعض الدول العربية تشير أن نظرة البعض إلى فكرة الملابس قد تكون محدودة نوعاً، فكما قد وحي قبعة قبطان مدببة بالاحترام، قد تُرى رأس امرأة عارية كأمارة على قلة الاحتشام والطاعة، وفي نفس الوقت ينمو الاحتشام في اتجاهات غير متوقعة، لتختلط الموضات اللعوب بالمحرمات الدينية الصارمة، ففي السعودية على سبيل المثال تعبر عباءة سوداء فاخرة ماركة أرماني ليس فقط عن أن السيدة التي بداخلها محتشمة، وإنما تعبر عن كونها أنيقة أيضاً.

تتناول شيبر في دراستها الثقافية الشيقة، حالة التناقض الكبيرة التي تعكسها بعض الصور التي التقطتها شيبر لبعض نساء مسلمات يرتدين إسدالاً أسود، ويطلبن منها أن تبلغ النساء في بلدها أنها إن لم يتلزمن بهذا الزي فسوف يحرقن في الجحيم، وعلى الطرف الآخر تضج لوحات الإعلانات في أمستردام برسالة ذات مغزى واحد “البسي اقل لتؤثري أكثر”، حيث تتمدد امرأة نحيلة ترتدي القليل من الملابس الداخلية وتتمدد في أوضاع موحية، في إعلان أثاث بجريدة تصفها شيبر بالرصينة، حيث تتمدد فتاة الإعلانات على أريكة جلدية أنيقة لتروج لها.

وترصد كذلك أن عازفة كمان في أمستردام أثناء عرض موسيقي في (أمستردام كونسيرت خيباو) تجذب الانتباه لها بفستانها المفتوح، فيما لا يوجد عازف صولو واحد يقدم نفسه بتفحة صدر جريئة الاتساع؛ لتتساءل بعدها (أليس كافياً لأي امرأة أن تكون ذات جودة مهنية عالية؟)، فقطعة الملابس الوحيدة التي تركها الرجال الغربيون هي رابطة العنق، وفي المكاتب نادراً ما يفتحون زرين من القميص، وغالباً ما ينظر إلى التعري بوصفه ضاراً بصورة الرجولة.

وفي خضم محيطها الوافر من القصص، يوضح الكتاب إصرار الأديان الثلاثة على تغطية الأعضاء التناسلية كفريضة على كل البشر.. بينما تشير في مكان آخر من الكتاب إلى أن الآباء والأمهات والأطفال يتجولون عرايا تماماً في منطقة (شينجو) وسط البرازيل، في نهايات القرن التاسع عشر، ويتسكعون ببراءة دون أن يكونوا محلاً للشكوى أو اللعن، ويصفهم الكتاب نقلاً عن كارل فون دير شتاينن، أنهم ليس لديهم أعضاء جنسية سرية يطلون نكاتاً محايدة عليها، لدرجة أن الرجل الذي يريد أن يشرح لغريب أن هذا الولد هو ابنه، والأم كذلك، يشير كلاهما إلى عضوه الجنسي.

يتوقف الكتاب عند وصف المستكشف الإنجليزي وليام دامبير للأستراليين الأصليين كأناس لا يرتدون ثياباً ما عدا حزاماً صغيراً من لحاء الشجر، ولاحظ الرحالة الأوروبيون أن العري بالنسبة للشعوب الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى كان هو الأمر المعتاد. في مذكرات رحلته ذكر المستكشف الأنثربولوجي جاكوليو أن أبناء قبيلة الدينكا (في السودان) كانوا فخورين بعريهم، بينما كانوا يطلقون باستهجان على الرحالة الذكر المغطى بالملابس “السيدة التركية”.

ويستعرض الكتاب مناطق الجسد التي اعتبرت مصدراً للفتنة في مختلف الحضارات والأديان، فبينما كانت السيقان تمثل مصدر حساسية لدى الأوروبيين كان الوجه وشعر الرأس هو الأولى بالاهتمام بنشر ثقافة تغطيته في الثقافة العربية الإسلامية. وكذلك يتوقف الكتاب عند تعليمات الكنيسة في القرن السابع عشر بأن الشيطان يسكن في مفرق الصدر فلا يجوز تعرية هذه المنطقة بأية حال.

استعرض الكتاب كذلك فكرة الاستحمام بوصفه معادلاً للتطهر من الذنوب في الديانات السماوية، فبعد التعميد على سبيل المثال يرتدي المعمد ثوباً من الكتان الأبيض كدليل رمزي على أن كلاً من الروح والجسد حصلا على مالك جديد بعد عملية التعميد.. ويمر الكتاب على فكرة (الحمامت العامة) في الين قبل 1100 عام، وفي اليابان حيث يعتبر الحمام مكانا مناسباً يمارس فيه اليابانيون الثرثرة المسائية، وهم يتلقون التحميم في حمامات مستطيلة، دون أن يفصلوا بين الرجال والنساء!!

فمنذ اليونان، حيث كان يستحم الرجال دون ملابس، وكان ممنوعاً على النساء الدخول إلى هناك، ومن بعدهم الرومان الذين أباحوا الأمر تارة ومنعوه تارة أخرى، وحتى العور الوسطى لم يكن لملابس الاستحمام وجود، لكن النظر إلى النساء من فوق الجسور الباريسية وهو يسبحن في نهر السين كان يؤذي القساوسة والباباوات، وتم فرض ثياب على النساء مصنوعة من قماش الكنفاه الأصفر.. وسنتقل إلى العام 1750 حيث ظهرت (ماكينة الاستحمام) وهي عربة بأربع عجلات تسمح للناس مسقوفة ولها حوائط وتسمح للناس باستبدال ملابسهم بلباس السباحة.

ويستطرد الكتاب في العرض لأردية البحر، فيتوقف عند (البيكيني) الذي تسبب إطلاقه في العام 1946 متخذاً اسمه من جزيرة “بيكيني”، حيث رفضت كل عارضات الأزياء ارتدائه، حتى اضطر المصمم إلى فتاة تعرٍّ لكي تعرض المايوه ذا القطعتين، ويشير إلى الميكروكيني، وغيره من الصيحات التي تلته.

حتى ظهرت أهيدا زانيتي، وهي أسترالية مسلمة من أصل لبناني، والتي ابتكرت (البوركيني) كحل لمعضلة حرمانية ارتدائه من قبل النساء المسلمات، وهو يشبه إلى حد كبير – حسب وصف الكاتبة- ثوب الباحة التي كانت ترتديه النساء الغربيات للذهاب للبحر باحتشام في القرن التاسع عشر، بل وتستدل على جوازه بآراء لبعض علماء الدين الإسلامي، مثل الدكتور عبد الرزاق الجاي أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة محمد الخامس وعضو مجلس العلماء بالرباط.

وليس هذا الموضع هو الوحيد الذي استشهدت فيه بموقف الأديان من الملبس، بل أفردت الكاتبة فصلاً كاملاً بعنوان (الدين كتاريخ للحجب)، وتتعرض فيه لفكرة (العري) بشقيها المعنوي والمادي، وتعرض لأهم نماذج تعامل البشر مع الملبس، منذ آدم وحواء، ثم تتوقف عند فلسفة الملبس في الأديان السماوية الثلاثة..

وهذا قبل أن تختتم كتابها بألبوم صور احتل وحده 18 صفحة، ويعد جزءاً هاماً من متن الكتاب، حيث تحتوي بعض الصور على إضافات حقيقية لنص الكتاب، ولعل أبرزها الاحتاجات العارية في تونس والصين وتويكينهام. ولدت مينيكه شيبر في العام 1938، والتي درست اللغة الفرنسية والفلسفة، وبدأت حياتها العملية بتدريس اللغة الفرنسية والأدب الأفريقي في إحدى جامعات الكونغو، وتعد صاحبة أول رسالة دكتوراه في هولندا عن الأدب الأفريقي، وعملت في العديد من الجامعات والأكاديميات في عدة دول أفريقية، وصدرت لها ثلاث روايات، وهي (نهر كونراد) 1994، و(آكلو الأرواح) 1998، و(طائر يقع طائر يطير) 2007.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى