فصل حصري من رواية “لقلبي حكايتان” للكاتب المصري أحمد مدحت سليم

صارت زيارة د. محسن واجبة بلا إبطاء.
هل أفزعك زلل قدمك اليوم درجتين حتى كدت تبوح بحبك، أم نكوصك عن قفزة شجاعة إلى الهاوية في اللحظة المناسبة؟!
وهل ستجد عند محسن العلاج؟! وماذا تبغي أن يكون العلاج؟! حُبوب للشجاعة ترفعك على أكتاف الثائرين ضد دولة العقل والبديهيات التي لا تعترف بحب رجل في الخمسين لفتاة في الخامسة والعشرين؟! أم حبوب لعلاج هلاوسك المستمرة ومللك القاتل؟! ولكن كيف تواجه وحدك مرضك المقيت إذا شُفيت من صورة بيريهان المحبوبة التي لا تغيب عن هلاوسك ليل نهار؟! كيف تصبر – بدونها- على كيَّات الملل الحارقة وحصاره لك في نقطة الأفق الخانقة بين السماء والأرض؟!
وهل تريد من محسن أن يُرشدك للمخرج الآمِن من الأزمة؟! أم تريده أن يُمهد لك طريقًا ناعمًا نحو الهاوية المثيرة، كما فعلت بك كلمات بهيرة ذات الوجهين؟!
ولكن على أي حال صارت زيارة دكتور محسن واجبة هذا المساء.
وبحث بعينيه في المطعم الراقي الغارق في العتمة لولا الشموع المتراقصة فوق الموائد. وسمع نداءً باسمِه، ونبهه نادل بأدبٍ إلى موضع النداء وقاده إلى مائدة دكتور محسن وسط الموائد التي تقاربت بحميمية. تلقاه الرجل جالسًا، وبضحكة مجلجلة بلا سبب كالعادة، وهو يشير إليه بالجلوس، فحيّاه بالرأس وجلس. وأشار محسن نحوه بالشوكة، وهو يسأل:

  • ألن تتعشى معي؟!
    هز رأسه رافضًا وقد جذبت عينه رأس ظبي مُسنٍّ مُثبتًا على الجدار المقابل.
  • خير يا دكتور طارق؟!
    انتزع نظره من الظبي المسكين، وقال بعد ضحكة متوترة:
  • أظنه كان من الأوفق أن نلتقي في العيادة.
  • إذن تجيئني لاستشارة طبية.
  • نعم.
    تفكر الرجل باسِمًا ثم وضع الشوكة والسكين وهو يقول مُهونًا:
  • كفى الله الشر.. صِف حالك.
  • ملل.. أعني كان مللًا في البداية.. ثم فزع.
    فضحك الرجل وأكمل الرجل ببساطة:
  • ثم حزن وحيرة.. ثم ألم ضمير.. ثم تردد.
  • هل يبدو كل ذلك بعينيّ؟!
  • بل بعُمرك.. للعُمر قوانين حاكمة يا دكتور طارق.. ولا شيء أقوى من لعبة الأيام.
  • لعبة الأيام!
    أومأ الرجل مؤكّدًا والظلال تتراقص حوله على ضوء الشمعة. غزاه التعبير العجيب «لعبة الأيام»، وزاد من حنقه، وأكد شعوره بتفاهة المشكلة، فتقلصت عضلات بطنه.
    لعبة.. وأنا فأر يتخبط بمتاهته المروعة.. لكنها في النهاية ليست سوى لعبة.
    أراح ظهره على الكرسي في يأس، ثم قال:
  • أليس هناك احتمال آخر؟!
  • مثل ماذا؟!
  • أن أكون جُننت مثلًا!
    ضحك الرجل وقال:
  • هذا وارد بالطبع.. ولكني أستبعد ذلك بخبرتي.
  • ولكنك لم تكشف عليّ.
  • صدقني.. الموضوع أبسط من الكشف.
  • يا دكتور محسن لقد صِرتُ ضجرًا بالحياة كلها.
  • لا شيء يضحكني مثل «صِرت» هذه.
  • ولمَ؟!
  • إنَّ «أنت» هو «أنت»، لا «كنت» ولا «صِرت».. منذ التشكل بالرحم وأنت كما أنت.. فإذا أردت استخدام «صِرت» فقل: صِرت أدرك أنني ضجر بالحياة!
  • حقًّا؟!
  • بلا شك.
  • ولكنك تقول إن للعمر قوانينه.
  • قوانين العمر تُظهر الأعراض الخفية الكامنة بداخلك، لكنها لا تُغير شخصيتك.. فأنت الضَجِر في العشرين وفي الثلاثين وفي الخمسين.. ولكن علامات ضجرك في العشرين غير علامات ضجرك في الثلاثين غير علاماته في الخمسين! ويحدث أن تنوء في مرحلة ما بهذا الضجر الذي نجحت من قبل أن تتعامل معه كأنه عرض جانبيّ من أعراض الحياة لا أكثر.. فتثور ثورة غير عاقلة كثورتك الآن بينما كانت ثورتك في السابق هي العمل والزواج والنجاح!
    ثم قال مُغيرًا الحديث:
  • طارق.. صِف لي أحلامك.
  • لم أعد أحلم إلا في يقظتي.
  • وبمَ تحلم؟!
  • لن تصدق.. صارت تنتابني أحاسيس مؤكدة تلح في أن أهدم حياتي لأبنيها من جديد فربما أعثر فيما فاتني على مسار أكثر بهجة يؤدي لنهاية مختلفة.. وأنغام ساحرة لا تني تتردد في عقلي بلا انقطاع تخبرني بأنه في استطاعتي أن أثقب الأفق لأضيف للنهاية الحالية عُمرًا بهيجًا فأنجو ولو لحينٍ من الاختناق والنفوق الكئيب كحيوانٍ حانَ وقته.
  • عظيم.. وبأي شكل تكون تلك النجاة؟!
    حدج الظبي الغارق في ظلمة تكتنفها أضواء هزيلة تتراقص تحت رأسه من مائدة عليها رجل هائم يُقبل يد امرأة حسناء، وتصور لوهلة أن أعين الظبي الزجاجية تدمع. ثم قال:
  • عُمرٌ جديد.
    رشف محسن رشفة من كأس الماء، ثم قال بتأنٍّ:
  • أو حُب جديد.. فتاة صغيرة جميلة مثلًا؟!
    أدرك أنه أخطأ حين فكر في المجيء لهذا النفساني الداهية،ولكنه تمسك بالثبات، والرجل يردف:
  • فتاة تُعيد الزمان الراحل.. وتُعيد نشوات حُب الجامعة.
  • ولو لم تصلح للمقارنة بالزوجة الحالية في أي شيء.
  • إنك تهذي.
    حدجه الرجل بمكر وهو يقول مبتسمًا:
  • قل إنني أخطأت بتشخيصي.
  • فليكن.. ولكن ما معنى ذلك؟!
  • ببساطة.. استيقظ الماضي لسببٍ ما.
  • الماضي؟! ما علاقة مللي الحاضر بالماضي الذي رحل؟! ولأي سبب يستيقظ الماضي؟!
  • ضحكة عابرة.. نظرة مُوحية.. صوت أثير.. موقف مُشابه.
  • هذا جنون.
    ضحك محسن وهو يمسك بالشوكة والسكين:
  • وهذا يتطلب زيارة بالعيادة.
  • وهل هناك أمل؟!
    فقال محسن في لؤم:
  • إذا تكرمت بزيارتي في العيادة وإذا تكرمت بالبوح والصدق.
    زفر وهو يشيح بوجهه فأردف الرجل:
  • اسمع يا دكتور طارق.. أثق أنك ستعثر على الحل.. فطالما عددتُكَ طبيبًا نفسيًّا ضل طريقه إلى التخدير ثم البيزنس.. هل نسيت ما حللتَه لي من حالات لعدد من مرضاي حتى أدهشتني؟!
  • كان ذلك بحكم قراءاتي المتعمقة وعشقي للتحليل.. ولكني أتعذب حقًّا.
    لم يرد محسن كأنما يفتح له طريقًا إلى مزيد من الحديث. والتقت عيناه بعينَي الظبي الزجاجيتين تحت جفنيه المشدودين بالخيط، فقال كأنما يوشك على البكاء:
  • إنني أتعذب.. ينبو بي مكاني أينما حللت.. لا شيء من المتعة يوقظ حُبي للحياة.. لا زوجتي المعشوقة ولا ابنتي الغالية.. فايزة وعلياء صارتا قيودًا تتدلى من شجرة الحياة، لا ثمارًا لذيذة يبهجني أن أمتع روحي بالنظر إليها وبتذوقها كما اعتدت طيلة عمري.. وكلما اقتربت منهما حال بيننا جدار من البلّور.. لم أعد أبتهج سوى بــ…
    وانتبه فأمسك عن الحديث.. ولكن.. ألا يجدر أن تخبر طبيبك بكل الحقائق؟! وأولها بيريهان؟! أتضن عليه بالسر العزيز، أم تضن على نفسك بالشفاء؟! تردد قليلًا ثم قرر أن يمنح نفسه فرصة للتفكير وأن يخبر محسن بها في زيارة أخرى.. وعاد يقول:
  • ولعل أكثر ما يعذبني أن أكون مُجبرًا على النظر للوراء إذا ما أردت أن أطالع حياتي.. القطار لا يتوقف ولا يتقهقر.. ولا أتصور أن جميع المحطات البهيجة قد صارت خلفي.
    ولم ينطق الرجل مكتفيًا بالإصغاء. وتملكه ضجر مفاجئ، فهمَّ بالقيام، ولكن الرجل قال كأنه تذكر:
  • دكتور طارق.. ذكّرني حديثك عن الأنغام الساحرة التي تتردد في ذهنك لتهدم عالمك بأسطورة تقول إن ملكًا أراد أن يحمي كنزًا كبيرًا فوضعه في مغارة تُشرف على مضيق بالبحر، ورمى على المضيق تعويذة ، فكلما حاول أحد البحارة أن يصل لموضع المغارة والكنز فتنته أصوات عذبة وغناء حتى يذهل عن نفسه فيصطدم مركبه بالصخور فيهلك قبل أن يتجاوز المضيق.
    انتظر هنيهة حتى يمتص طارق القصة ثم أردف:
  • لا شك عندي أنك ستعثر على الحل.. أنت عبقري في التحليل النفسي.. ولكن واجبي أن أحذرك.. لعبة الأيام لا حد لمكرها.. ولا حُب في سِننا.. أي حُبٍّ يجيئنا الآن ليس إلا صورة خادعة تأتيك من الماضي كما يأتيك ضوء النجوم التي انطفأت منذ قرون.. تماسك.. ولا تلتفت للنداءات المسحورة حتى تمر سفينتك من هذا المضيق.. بعدها ستكتشف أنه لا شيء كان حقيقيًّا سوى الشركة وفايزة وعلياء.
    *

تبًّا لكل شيء.
يرفض الطب النفسي – كالعالم كله- الاعتراف بحبك الصادق لبيريهان. بهيرة ابنة خالتك وناصحتك الأمينة تراه تكرارًا ساذجًا لملهاة إنسانية لا تتوقف عن الحدوث يوميًا. ويراه محسن استجابة لنداء قديم من الماضي غفلت عنه في حينه، ثم حين أصابك الوهن رُحت تُلبيه. وعجيب جدًّا أن يربط محسن في تحليله بين بيريهان ونوران رغم صمتك وكتمانك.. وعجيب أن يستهين بألمك بينما تُحكِم الدنيا حصارها عليك: بنظريات التحليل النفسي الساذجة، بجدران مكتبك، بسقف المسرح، بالقبة السماوية، بنانسي وبهيرة، بفايزة الزوجة التي لا يعتورها نقص ولا كسل فلا تدع لضميرك مُبررًا للموت أو النوم على الأقل.. حصار أفقي وحصار رأسي.. وأنت كفأر تجارب تبحث عن المنفذ الذي تنتهى به اللعبة! أوه.. نعم لعبة! الآن أضع يدي على أول الخيط.. منشأ مرضي هو شعوري المفاجئ أن حياتي لم تكن سوى لعبة.. وأنني عِشت أعمارًا مديدة أحاول التخلص من العقبة تلو العقبة، دون أن أعرف ما هي المرحلة التالية.. لعبة.. وأنا الفأر.. ولكن ماذا أيقظ داخلي هذا الشعور المفاجئ، ومتى؟! وأي ضحكة.. نظرة.. صوت.. موقف كان السبب في المرض؟! وكيف أعيش خمسين عامًا ثم أستيقظ يومًا لأكتشف أنني هذا الفأر السجين؟! ما أشبه ذلك بأن أسمع عن رجل اكتشف في الخمسين من عمره بأن مصيره إلى الموت ذات يوم!
أي عذاب؟! وأي حيرة؟! وأيهما السراب.. مَلَلي أم أمَلِي؟!
ولكنك تعشق بيريهان.. بكل ما تبقى من عمرك تحبها.. بكل ما يستطيع قلبك- الذي يُجهده التريض في الصباح- تُحبها.. حُب بيريهان حقيقة لا لعبة من لعب الأيام.. إن ما أشعر به هو شعور أصيل ينبعث من ذات المنشأ المبارك الذي نبت منه حُب نوران ثم حُب فايزة.. لا علاقة للسن بهذه الحادثة البهيجة.. وإذا كان حُب بيريهان وهمًا، فلمَ لا يكون جميع ما نمر به من قصصٍ محض أوهام وهلاوس؟! وإذا كان عمرك الماضي لعبة فإن القادم لن يكون كذلك.. أو على الأقل ستتساءل: ألا يحق للفأر أن يختار متاهة جديدة وبنفسه؟!
وأضاءت شاشة موبايله، وأدهشه أن تكون بيريهان!
*
يخفق القلب.. وتفور الدماء بمخلوط بهجات سكرية.. ويجيئه صوتها عبر سماعات الكاسيت في صالون المرسيدس.. ناعمًا، حزينًا، مُحرضًا:

  • دكتور.
  • بيريهان.
  • لا أعرف أين أنت الآن.. ربما كنتَ في بيتك.. ولكنني لم أعد أفكر في العواقب.. ولم أستطع النوم حتى أتحدث معك.
    وصمتت، فقال في خدَرٍ وهو يُجرب شجاعته:
  • بيري.
    أشعلها نُطقه للاسم فيما يبدو، فقالت على الفور:
  • طارق.
    وصمتت مرة أخرى.. النار تحرق السيارة كما أحرقت المكتب.. وما أعجب أن يُمتعنا الجنون وهو يتغذى على ذواتنا؟!

أحمد مدحت سليم- كاتب روائي من مواليد القاهرة- تخرج في كلية العلوم جامعة عين شمس عام 1998- وحصل على دبلومة في التسويق من معهد تشارترد الإنجليزي- وعمل في مجالات التسويق الطبي والدعاية والإعلان ويعمل حاليًا في مجال النشر الثقافي- أصدر روايات: ثلاثة فساتين لسهرة واحدة (2015)- خريف، دماء وعشق (2017)- لقلبي حكايتان (2019)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى