تأليف كتاب من الشرفة الخلفية.. دفنة صومان تكتب عن طقوس الحجر الصحي والكتابة

0

ترجم لأخر مترو هذا المقال : هدير الدسوقي
أحد مميزات موقع آخر مترو هو اهتمامه بتقديم ملخص اي كتاب بمختلف أنواعه، والكتب المختلفة سواء كانت روائية، تاريخية، أو حتى رياضية.وقد قدم موقع آخر مترو العديد من النماذج الرائعة منها، حياة الرائعة رضوي عاشور، وملخصات كتب دكتور محمد طه ” الخروج عن النص “ و ” علاقات خطرة “، كذلك الرواية التاريخية الرائعة ثلاثية غرناطة، والرواية الكلاسيكية ” بوليانا “، وكثير غيرها.

أعاد فيروس كورونا – كوفيد 19- تشكيل نسق حياتنا وخلق طقوس تلائم وضع الحجر الصحي. نعيش في هذا المقال مع دفنه صومان –روائية وعالمة اجتماع– طقوس الحجر الصحي و كتابة المقالات من الشرفة الخلفية لمنزلها الكائن بـ”أثنيا”.


الشرفات الأمامية عكس الشرفات الخلفية … هذا ما قالته “دفنة صومال”

“أقضي الظهيرة بالشرفة الخلفية منذ عدة أسابيع حيث الواجهات الخلفية للبنايات يتوسطها فناء بمنتصفه شجرة ليمون نرى بالواجهات المطلة على الفناء: رفوف البطاطس والبصل، وشرفات المطابخ الممتلئة بعربات التسوق، ونوافذ غرف النوم وستائرها من التل تحجب النوافذ الخشبية أشعة الشمس من النفاذ.” هكذا استهلت ذكرت دفنه صومان في مقالها بموقع http://okumakiyigelir.com، وحكت أن الشرفات الأمامية على عكس الشرفات الخلفية نرى عبرها أشجار الصنوبر والسرو والكافور وأغصان مزهرة بالكرز الأسود التي تصل حد السماء حيث تمتد للطابق الثاني للبناية.

كتاب

تفضل دفنه صومان الشرفة الخلفية حيث تلائم ضجرها إذ تجد في براح الفناء ترياقا لانقباضة صدرها وتحب القطط أيضا الشرفة الخلفية ربما لسقوط شمس الظهيرة عليها.

تشير دفنه صومان إلى الخصوصية التي تُسدل الوجهات الخلفية الستار عليها، فترصد من خلال شرفتها الخلفية حيوات جيرانها: “فحين ألتفت لأعلى أجد الفتاة الصغيرة التي تسكن الطابق الثالث، وقد خرجت من شرفة غرفة نومها وفرت حال رؤيتها لي، وتفتح جارتي المقابلة لي ستائرها التل صباحا وتضع وسادات الأريكة فوق الشرفة.

يصير المنزل أمامي ككتاب مفتوح من شرفته الخلفية وحتى الأمامية.. منزلها عتيق حيث الخزانات والمكتبة ووسادات الكرز الضخمة المتهرِّئة والبالية، تعيش تلك السيدة العجوز بمفردها، وبرغم من أننا نسكن بمقابل بعضنا البعض إلا أنني لأول مرة أقول لها “ياساس” الأسبوع الماضي حينما كنت أغلق النافذة”.

“ياساس” أهلا وسهلا باللغة اليونانية


أضافت دفنةصومان: “أقيم بأثنيا حيث المطابخ المطلة على نفس الفناء والوجهات الخلفية للغرف. بني هذا العقار عام 1968 معظم السكان من عائلات المالكين أصحاب الأراضي التي بني عليها. يقيمون هنا منذ 1968 كعائلة أمي؛ لاأجد إقامتهم بنفس البناية الكائنة بـ”غايرت تبه” منذ 1968 غريبا في شيء.

كتاب

يندهش أصدقائي الأمريكان من ارتباطنا بالسكن داخل منزل محاط بأربع جدران, فبرغم من إنهم ينشأون في منازل ذات طابقين قريبة من الأرض إلا أنهم يمكنهم الانتقال للجهة الأخرى من القارة عندما يبلغون عمر الـ 18. ويعيشون بشقة في بناية لكنه سكن مؤقت فبأحلامهم منزل آخر. يمكن أن يبذلوا عمرهم كله لتحقيق هذا الحلم. أما أحلام أطفال البناية مجرد الانتقال إلي بناية أخرى”.

الجيران وكتابة المقالات “كتاب” من الشرفة الخلفية

تواصل رصدها لجيرانها : “أبتهج عندما أرى الفتاة تضحك حينما ترآني وتفر فورا، تنبعث روائح طعام مختلفة من كل طابق، وتتسلل رائحة السمك المقلي اليوم لمنازلنا.. لابد أن هناك حرفيين يعلمون في طابق ما.

أسمع من يصرخ بهم دوما بالصباح في الساعة الحادية عشر.. ألتفت لأرى من هذا الذي يصرخ ولماذا. فألتقي بجاري النحيل “زبرجت” يعيش وحيدا يعلق بيد ملابسه، وبيده الأخرى يدُخن سيجارة.  لانتبادل التحية. فنحن مختلفان.

تسكن بالأسفل بطابق المدخل العلوي معلمة غناء.. أسمع عزف البيانو والمقطوعات الموسيقية، سوبرانو، كمان، نغمات تصاعدية وتنازلية لـ، لـ، لـ. لديها كلبان، يحجبا الشرفة الأمامية عندما يأتي الطلاب. لا تنتهي ضجتهما .. ينبحان على كل الكلاب التي تمر من أمامهما. فيما مضى تركت المعلمة وزوجها الكلاب وذهبا إلي عطلة عندما كانت الفرصة سانحة للسفر خارج المدينة عبر السيارة أو القطار أو حتى الطائرة، كان الكلبان عاجزين بالشرفة. وجدنا بنهاية ذلك الأسبوع تحديدا يوم الأثنين ورقة بمرآة المصعد كُتب عليها “سوف أقوم باستدعاء الشرطة إذا اساءت مجددا للكلاب.

كتاب

تضيف دفنه إنها تكتب هذا لكونها كاتبة؛ فالإنسان هو منبع إلهامها، وتشير إلي ضرورة انخراطها وسط الناس ومشاهدتهم حتى وإن لم تبنس بأي كلمة معهم. تكفيها مشاهدتهم وتدوين مدى انعكاس هذا على عالمها الخاص وإلي أي مدى تُذكرها تلك اللحظات بما تحمله بذاكرتها. أول رشفة للقهوة .. مداعبة الرياح لشعرها وبعثرته وهي فوق دراجتها.

هل تغيرت حياة دفنة صومال في الحجر الصحي ؟

أردفت: “يقولون لم يتغير أي شيء بيومي، ما أزال أكتب حتى بعد توقف السفر لإستانبول يمكن أن أبدأ رواية جديدة، فكرت في البداية بذلك، فكنت قبل الحجر الصحي أقضي 90% من وقتي في أثينا بالقراءة والكتابة في المنزل.. أستيقظ صباحا في السابعة وأحيانا كنت استيقظ قبل ذلك. أمارس اليوغا ثم أتناول فطوري وأركب دراجتي. أتجول باكروبوليس وبلاقا، وسوق السمك، وإكزارشيا، وميدان سنتغما حيث المقاهي التي اتردد عليها بجميع أنحاء المدينة. أجلس هناك أقرأ الكتب..

أدوّن ملاحظاتي وحين أتعب أترك القلم وأشاهد الناس حولي. أعود للمنزل بعد الظهيرة أتناول الغداء وانتقل للمكتب.. فترددي بمفردي على المقاهي هو سر إلهامي في كتابة المقالات، أما الآن أجلس برفقة القطط في الشرفة حتى الظهيرة. لا أرغب بفعل شيئا. أنظر للشرفات الخلفية وأمشط شعر القطط.. سرعان ما يتشتت انتباهي عند قراءة سطرين منزعجة؛ فشريان إلهامي مسدود. تذكر دفنه إنه قد مر عدة أسابيع. تعلمتْ خلالهم عدة أمور. فثبات الإنسان يأتي من توقفه عن فعل الأشياء.. فلا يمكن للشخص أن يقول” لأجلس عدة ساعات بالشرفة وانتقل للمكتب لأدون بعض الملاحظات. ينبغي عليه أولا إمساك بقلم حتى وإن لم يرغب بذلك.

كيف تقوم بكتابة اي كتاب ؟


هذا، وتضيف أنها لا تستخدم الحاسوب فتأخذ ورقة وقلم وتجلس حتى وإن لم ينطو عقلها على أي قصة أو فكرة..  تسافر عبر ذاكرتها لعام 1987 حيث  قاموا بإلغاء جميع العطلات الصيفية في  سبيل السفر إلي الولايات المتحدة الأمريكية نحو ثلاث أسابيع.. ومن ثم أُلغيت كل النشاطات الصيفية التي كانت تقوم بها: تمارين التنس .. السباحة.. المخيم..  تعرب عن تعجبها بماذا تفعل بمفردها في استانبول الحارة في الطابق الثامن للبناية الكائنة في”غايرت تبه”.

وبهذا تخبرنا: “أبدا كتابتي بما أحتفظ به في ذاكرتي من هذا الصيف، أُصبت بالملل، يقولون أن الأطفال لَا يَسْأَمُونَ، ظننت أن الوحدة هي الملل.. أصير وحيدة مجددا حتى في وجود زوجي بالمنزل فلكل منا زاويته الخاصة”.

لا أترك القلم من يدي. أضبط الساعة على 24 دقيقة كي لاأتركه. أخبر نفسي إنني يمكني التحمل 24 دقيقة .. أحث نفسي على الكتابة؛ فالمقال يتآلف من جمل.. احكي مشهد.. أتذكر يوم من الماضي.. أتسائل هل عشت هذا اليوم؟ هل قرأت هذا الكتاب؟ يُزيل تعاقب الجمل هذا الركود.. ويتسلل الوحي من تلك الشقوق والفجوات.. أتذكر هنا أن هناك الكثير من الشريين تمد إلهامي بالحياة. البشر وعلاقاتهم.. الأدب.. أضبط الساعة مجددا على 24 دقيقة.. الهواتف مغلقة.. حان وقت القراءة المتواصلة.. أقرأ “كريك وأويكس” لمارجريت أتوود.

مجموعة “شرمين ياشار” .. كتاب يبعث الأمل في نفس دفنة صومال


أقرا الكتب التي أحبها مرة ولا أتركها أبدا.. أقرا للمرة الثانية “خزي” لـ ج.م. كوتزي. وحينما يضيق صدري افتح مجموعة “شرمين ياشار” القصصية “اجلب الخبز وأنت قادم”. عندما تنتهي ال24 دقيقة أُعيد ضبط الساعة مجددا. أروض انتباهي بخطوات بسيطة.. كلمات قليلة.. وعود متواضعة.. أهنئ نفسي عند تمكني من إصدار قصة بشهر واحد. أداعب شعري.

تتبادر الشرفة الخلفية إلي ذهني حيث المنازل العشرة المطلة عليها. تُلهمني بعشر قصص. يمكن أن أشاهد الناس من مكان نومي. أشاهد فراغهم حتى وإن لم يخرجوا للشرفة. فللفراغ لغة أيضا.. تحكي لي تمايل الوسادات بالفراغات الموجودة بحبل الغسيل.. مصابيح الشرفة المضيئة بالنهار.. اقرأ الفراغ وأسمع شجار زوج لاأعلم لغة حديثهم.. فيختلط علي الأمر أهذا شجار حقيقي؟

تجمع الخالة أولجا الليمون من شجر الفناء .. أما حفيدها ممسك بتلابيب تنورتها .. لا يكف عن إطلاق الأسئلة. يخرج زبرجت بسيجارته مساءا .. يجمع ملابسه.. تنتقل آشعة الشمس للشرفة الأمامية وأنتقل أنا بدوري أيضا إليها لرؤية حديقتنا متلألأة تحت غروب الشمس.. أنتقل بشغف النظر بعيون الأخريين وأن أسمع بأذنهم.. ورؤية ضوء أثنيا الأسطورية منذ هوميروس.

أمسك قلمي بصباح اليوم التالي وابدأ في الكتابة حتى يتسلل الإلهام من خلال الشقوق.

ثم يخرج هذا المقال إلي النور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.