كتاب.. من قالوا “فشخ” في وجه من قالوا جدًا.. لسان العرب

0

كارم أحمد – شاعر ومصمم مصري: أحد مميزات موقع آخر مترو هو اهتمامه بالكُتّاب والكتاب، والكتب المختلفة سواء كانت روائية، تاريخية، أو حتى رياضية. وقد قدم موقع آخر مترو العديد من النماذج الرائعة منها، حياة الرائعة رضوي عاشور، وملخصات كتب دكتور محمد طه ” الخروج عن النص “ و ” علاقات خطرة “، وكتاب “كيف تصبح إنسانًا” لدكتور شريف عرفة، كذلك الرواية التاريخية الرائعة ثلاثية غرناطة، والرواية الكلاسيكية ” بوليانا “، والعديد غير ذلك.

يمكنك أيضًا معرفة المزيد عن عمر طاهر: “أحب الحفيد أكثر من الناصر صلاح الدين”

على ضفاف الموقع الأزرق قام حائط أبيض كبير في عالم الإنترنت؛ كي يدون الإنسان المعاصر حضارته عليه.. ويمكننا من خلال العديد من التصورات أن نتخيل اللحظة الأولى التي تعرض فيها الإنسان “الفيسبوكي” الأول لرؤية هذا الحائط اللانهائي.. سنراه يضع أصابعه على “الكيبورد” ليكتب نصه الأول مسجلا حضوره في هذا الواقع الكبير تعبيرا عن اندهاشه مما يعايشه الآن.. لقد كتب أصدق عبارة في لحظته “هذا حلو فشخ”.

ربما هذا ما سيكتبه المؤرخون -إن استمرت الكتابة أساسا- عن هذه الفترة التي نحياها الآن.. وليستطيعوا فهم ما كان يدور في ذلك الواقع؛ فإنهم سيتعرضون بالفحص والبحث للغتنا الجميلة..

لكن أعجب ما سيكتشفونه أننا استعملنا الكلمة في غير ما تدل عليه المعاجم التي تؤسس هذه اللغة.. وهو ما سيجعله حائرا -مثلما أنا الآن- من هذا الواقع العجيب الذي يتكلم فيه الإنسان بمفرده.

وكان لسان حال العلوم الإنسانية اللغوية.. الاجتماعية.. التاريخية… إلخ: “دقيقة يا جماعة نفهم”؛ نتيجة لما يفعله الإنسان في مختلف حضاراته.

فالإنسان بطبيعة الحال لا يثبت على شيء.. ولا يترك ثابتا إلا حركه.. ومن ضمن هذا كانت اللغة في أي زمان ومكان.. ولأن اللغة هي صوت تفكير الإنسان وترجمة لمكنونه.. فلنا معها وقفة.

تقول المعاجم: “فَشَخَهن كمنَعَهُ: ضَرَب رأْسَه بيدِهِ أَو صَفَعَه وفي نسخة: ضعفه والأُولى الصّوَابُ يَفْشَخُهُ فشْخا. وفشَخَه في اللَّعِب: ظَلَمَه. وفَشَخَه في اللّعِبِ أَي لَعبِ الصِّبيانِ: كَذَبَ. والتَّفْشِيخُ: إِرخَاءُ المَفَاصِل. (لسان العرب).. الفَشْخُ اللطم والصفع في لعب الصبيان والكذب فيه فشَخه يفشَخه فشْخا وفشَخَ الصبيان في لعبهم فشْخا كذبوا فيه وظلموا (تاج العروس).

هذا ما تقرره معاجم اللغة.. لكن الإنسان المعاصر كان له رأي واستعمال آخر دون هذا وأبعد.. استعمال لم تكن الكلمة فيه قادرة على طرح مضمونها بمفردها.. فاستعان بأداءات صوتية أثناء الحديث -حسب السياق- وبصور و”إيموجي” أثناء الكتابة.

“الجيلي” يعد وصفا صادقا لواقعنا المعاصر في ظل غياب الكثير من الثوابت.. وفي “الواقع الجيلي” صارت “فشخ” أكثر قوة وحضورا عن “جدا”.. ربما يشعر الإنسان حاليا أن كلمة “جدا” لم تعد تفي غرضه لإيصال انفعالاته تجاه الواقع.. أو أن الواقع صار أكبر من كلمة “جدا”.

وبالرغم من أن استعارة “فشخ” لتحل محل “جدا” ليس لها مبرر سياقي أو لغوي.. فإننا لا نستطيع أن نطرح بديلا ملائما للشخص أو الواقع على حد سواء.. فبصرف النظر عن معنى “فشخ”.. إلا أن أداءها الصوتي يوصل كثيرا من تفاعل الإنسان مع واقعه.. الواقع الذي يستنزف كثيرا من المبالغات دون طائل.. وبين العديد من السياقات تتبدل دلالة “الفشخ” من الإعجاب إلى التهديد والوعيد.

كتاب

من خلال هذا الواقع.. لا يمكننا الاطمئنان على تواصل جيد فيما بيننا في ظل الجزر اللغوية المنعزلة التي نعيشها.. فاللغة ينتجها أبناؤها.. لكن أبناءها لا يجتمعون على معجم أو سياق واحد.. قديما كان للغة أهل تؤخذ عنهم وعلماء يضعون لكل موضع كلمته..

ومن خلال هذا استطاعت أن تنجو اللغة من بين العديد من العوامل الحضارية لتصل إلينا.. اليوم تستطيع جماعة من خمسة أفراد أن تدشن معجما وسياقات خاصة بها.. يبدأ الأمر مزحة حتى يصير دينا يؤخذ كابرا عن كابر.

قريبا لن نعجب مما ستنتجه هذه اللغة.. فبدلا من قول نزار قباني “أحبك جدا وجدا وجدا” سيختصر الأمر إلى “أحبك فشخ”.. وسيتطور الأمر إلى أدب وكتاب ودراسات ومعاجم إلى أن نصير غير قادرين على التحدث وفق معاجم وسياقات هذه اللغة.. سنصبح “عيال خيخة وهفية.. مش أشباح”.. وسيصير صاحب البطولة من يقول فشخ في وجه من قالوا جدا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.