بطولة المنسيين في أدب نجيب محفوظ .. قراءة في رواية “الباقي من الزمن ساعة”

إبداء الرأي والتحليل من للكتابات من كاتب أخر أمر يفيد القاريء جداً في تكوين فكرة أكبر عن هذا الكتاب أو هذه الرواية ، وهذا ما يهتم به موقع آخر مترو دائماً، حتى يتيح للقاريء الخروج برؤية واضحة من هذه الكتب التي يقرؤها، وكذلك تعريفه أكثر بالكاتب مثل أحمد خالد توفيق  و عمر طاهر

أحمد القرملاوي- روائي مصري- قراءة في رواية الباقي من الزمن ساعة – نجيب محفوظ

ما فائدة الأدب؟ سؤال لا يني يتردَّد على ألسِنة القراء في كل زمان ومكان؛ أتعدو فائدته متعة الحكي وإشعال الخيال بالأحداث والشخصيات؟ وثمة إجابة تتكرر وترسُخ أكثر مع مرور الزمن، تشير لكون الأدب تأريخًا موازيًا لرحلة الإنسان، ففيما يسجِّل التاريخُ قصة الإنسان من منظور الحكام والأنظمة، يدوِّن الأدب نفس القصة من منظور الفرد؛ في الأدب، ينتزع البشر العاديون أدوار البطولة في قصة الإنسانية، فيؤثِّرون ويتأثَّرون بتلك الحوادث التي يسطرها المؤرخون، فيما لا يظهرون في كتب التاريخ بعيدًا عن الثورات والانقلابات الكبرى..

جائزة كتارا للرواية العربية تبقى لها يومان فقط..

اشترك الآن!!

أما نجيب محفوظ فيقوم بالشيئين معًا، أو بالأحرى يفعل الواحدة عبر الأخرى، فيتقاسم في أدبه الحُكام أدوار البطولة مع البشر المنسيين، فنعرف قصة أولئك من خلال هؤلاء، والعكس.

تفاصيل الحياة اليومية سر إبداع نجيب محفوظ - فكر وفن - شرق وغرب - البيان
الروائي المصري العالمي نجيب محفوظ

بطولة المنسيين في رواية الباقي من الزمن ساعة لنجيب محفوظ

تُعد روايته “الباقي من الزمن ساعة” أحد أبرز الأمثلة على هذا الملمح الهام في أدب محفوظ، وفيها يمتد سرد الأحداث من العام 1936 وحتى العام 1981، أي منذ جلوس الملك فاروق على عرش مصر في ظروف مضطربة شهدت تحولات جسيمة في تاريخ مصر المعاصر، وحتى نزول الرئيس السادات عن ذات العرش بعد حادثة الاغتيال الشهيرة، التي ختمت فترة زاخرة بالاضطرابات والتحولات الجسام؛ إنه التاريخ المربك والمتسارع الذي عايشه محفوظ، ورأى أن يسجِّل عليه شهادته أدبًا وتأريخًا، فكيف فعلها الأديب الكبير؟

اقرأ أيضاً: ملخص كتاب عمر طاهر الأخير.. كل شيء في الحياة له وجه آخر

تبدأ الرواية بالصورة المعلَّقة في صدارة حجرة المعيشة في البيت الكبير، والتي يعود تاريخها لعام 1936، أيام الهناء والاستقرار في حياة الأسرة التي أسسها حامد برهان، موظف التلغراف الوفدي، مع سنية المهدي، ست البيت المصرية الحنون والمدبرة، صورة رحلة القناطر الخيرية، حيث الوئام وراحة البال، يتوسطها الأب- حامد- وتحف به الزوجة والأبناء: كوثر قليلة الحظ من الجمال والتعليم، ومحمد الذي درس القانون وصار محاميًا إخوانيًّا مجافيًا بذلك وطنية أبيه الوفدية واعتدال أمه الديني، ومنيرة المحظوظة في الجمال والتعليم، التي تترقى في الوظيفة حتى تصير ناظرة لمدرسة البنات. ورويدًا يصحبنا السرد المنساب بلا فواصل ولا تقسيمات، كأنه انسياب الزمن في تدفق لا يعبأ بما يطرأ من تحولات وصراعات، لينتهي بنا عند مشهد العاصفة الرعدية المطيرة بعد مقتل السادات، ويتركنا معلَّقين دون أن نعرف ما ينتظر العائلة في الساعة الباقية التي يشير إليها العنوان.

رواية الباقي من الزمن ساعة - نجيب محفوظ | موسوعة أخضر للكتب

أبدًا لا يعفينا محفوظ من تأمل رموزه وإسقاطاته، فهو يُضمِّنها بقدر يصعب معه التجاوز عنها، بل ويحدِّدها بهالات فسفورية تجعل من التغاضي عنها هربًا من تتبع مقاصد النص، فلٍمَ تُراه يفعل ذلك؟ لماذا لا يتركنا نقرأ الحكاية مجرَّدةً من الإحالات؟ يبدو أنه حريص أكبر الحرص على تسجيل شهادته بطريقته المثلى، التي ابتكرها عبر سنوات من الكد والتجريب: القص الروائي.

شخوص محفوظ.. ظلال أخرى ورموز مفتوحة على الوعي الإنساني

سنية ليست سيدة مصرية فحسب، بل تكثيفًا لعموم المصريين في شخص امرأة ذات أصول ممتدة وتاريخ غير راكد كما تصف نفسها، تحوَّل جدُّها من المسيحية القبطية إلى الإسلام، وحازت نصيبًا محدودًا من التعليم استكملته بثقافة وتدين معتدل لا يخلو من التعلُّق بالأساطير وكرامات الأولياء، لا يشغل بالها همٌّ قدر المحافظة على البيت- الوطن- وإعادة الحياة لحديقته التي “شغلَت الأرض الرملية أكثر سطحها” كما يصفها السارد. هل ثمة تكثيف أدق لعموم المصريين؟

مسابقات تصوير بالكاميرا أو الهاتف.. اشترك الآن!!

كما أن حامد ليس موظفًا وفديًّا وانتهى الأمر، بل إنه إيجاز للحركة الوفدية وشهادة محفوظية لما لها وما عليها؛ حامد الذي يفاخر بإنجاز وحيد هو تحريضه لزملائه الموظفين على الانخراط في ثورة 1919، الذي يُحال إلى المعاش مع إقالة حكومة الوفد، ومع رجوع الوفد إلى الحكم “يصعد حامد برهان إلى العرش من جديد” (ص 37)، والذي ظل أصدقاؤه يجتمعون في رحابه لمناقشة الأوضاع السياسية والحديث عن الحرية والديمقراطية والاستقلال، ثم إنه حامد الذي نبت من جذره ابن إخواني، وابنة ناصرية، وأخرى غير منشغلة بغير ذاتها ومستقبل ابنها؛ إنه الوفد الذي التحم مع عموم المصريين- سنية- وبسط مظلته الليبرالية التي تتسع لمختلف الفصائل- أبنائه- انطلاقًا من أرض الوطنية الصلبة والرغبة في الاستقلال، الوفد الذي بلغ أوج نجاحه في ثورة 1919 وقمة استقراره بعد عقد معاهدة 1936- صورة الأسرة الهانئة في صالة المعيشة- وهو ذاته الوفد الذي تردّى بعد ذلك متخبطًا في الإخفاقات، وتداعى وجوده تمامًا إبان الحرب العالمية الثانية- إحالة حامد للمعاش- بل واتُّهِم بالخيانة والاصطفاف مع المستعمِر يوم عاد إلى الحكم مدعومًا بدبابات الإنجليز- زواج حامد بميرفت ذات الأصول الأجنبية وطرده من بيت سنية- حتى خرجَت الأمور عن سيطرته بعد إلغاء المعاهدة واحتدام المعركة بين الشعب والإنجليز وصولًا لحريق القاهرة- مرض حامد وسقوطه في بيت زوجته الأجنبية.

ثورة 1919 - ويكيبيديا
ثورة 1919

إذًا فمحفوظ يسجِّل شهادته كاملةً عن الوفد، الذي لم يتخلَّص أبدًا من محبته لرموزه، وها هو يسجل في الرواية الصورة الأكثر اكتمالًا لجنازة الزعيم مصطفى النحاس، وينتصر في ذات الوقت لعموم المصريين، ممثلين في الست سنية، الذين ظلوا على وفائهم للوفد برغم الإخفاقات.

ومن أبناء حامد وسنية تمتد الفروع كل في اتجاه؛ كوثر غير المسيَّسة تنجب وحيدها رشاد، الذي يصير ضابط جيش ويخسر ساقيه في معركة أكتوبر، إنها التكثيف الأوضح لعموم المصريين غير المسيَّسين، الذين تحمَّلوا ضريبة الفداء لاستعادة الأرض، فاستمرَّت مع ابنها في البيت الكبير- الوطن- بل وعمِلا على إصلاحه وإعادة الحياة لحديقته. أما محمد عضو الإخوان المسلمين، فينجب شفيق وسهام، فيمضي الأول في طريق أبيه الإخواني بعد مغامرة سرية مع زكية محمدين، فيما ترفض الثانية الارتباط بابن عمتها رشاد- الجيش- وتميل لكفة عزيز صفوت- اليسار- وتتشبع بأفكاره الماركسية عن الحرية والتقدمية التي تهدم القيم والأعراف البالية، فتقيم علاقة مفتوحة معه حتى يلقى حتفه في المظاهرات- تقويض السادات للحركات اليسارية- بينما تتعلق منيرة، صغرى أبناء حامد وسنية، بسليمان بهجت الناصري مثلها، والذي يستفيد من كون أخيه عضوًا في تنظيم الضباط الأحرار، فيرقى في مراتب المال والأعمال حتى يخونها مع الراقصة زاهية، التي تصبح سيدة أعمال في عصر الانفتاح، فيما تعكف منيرة بإخلاص على عملها وتربية ابنيها من سليمان بهجت، علي وأمين، فينشأ أمين ناصريًّا مخلصًا مكافحًا مثل أمه، بينما ينكب علي على ذاته ويقيم علاقة مع أرملة جده حامد الأجنبية؛ إنه تجسيد لجيل غير منتمٍ يطمح إلى الهجرة والالتحام بالغرب الأكثر تقدمًا.

انحيازات نجيب محفوظ

ومن تلك التفاصيل المجدولة بمهارة وصنعة يصعب مضاهاتها، يمكننا استشفاف الشهادة المحفوظية على التاريخ الذي عاشه بعقله ووجدانه معًا؛ يشير لإخفاقات الوفد التي عزَّزت الفُرقة بين الأجنحة المتصارعة: الجيش، الإخوان، اليسار؛ يحاكم الناصرية التي جرَّت الوطن لحروب طحنت هامات الناس، وزاوجَت بين المخلصين من أمثال منيرة والانتهازيين أمثال سليمان بهجت، فأنتجَت نماذج في غرابة علي لا تعترف بقيمة ولا تهتم باستعادة أرض مغتصَبة، بل ترمح خلف حلم الهجرة ولو عن طريقها الأكثر شذوذًا- علاقته بميرفت التي في سن جدته؛ يتهم الإخوان اللذين تسبب تشددهم وانصرافهم عن أجندة الوطن في تشتيت الشمل واندفاع أجيال لاحقة صوب هدم الأعراف القديمة (سهام وعزيز صفوت)؛ كما ينحاز للسادات وسعيه خلف إقرار السلام وإنهاء حالة الحرب، وإن كان يُدينه لانتهاجه سياسة الانفتاح، التي أثقلَت كواهل الناس وأخلَّت بتركيبة المجتمع (سليمان وزاهية وزكية محمدين).

ينحاز محفوظ للجيل الأخير، جيل النكسة والهجرة والفداء واستعادة الأرض، الجيل الذي تحمَّل أعباء جميع من سبقوه، لكن يظل انحيازه الأكبر لعموم المصريين؛ سنية التي تتمسك بالبيت الكبير ولا ترضى ببيعه مهما أبدى جيل الأحفاد من أسباب مقنعة، بل تترقب الفرص لإصلاحه وتجديده وتخضير حديقته المفروشة بالرمل. وبعد؟ هل يُنهي شهادته برؤية قاطعة؟ بل العكس، فالسماء ملبدة والرعد يرج البيت القديم، والباقي من الزمن لا يعدو ساعة، هي ساعة الحسم، فإما يحسم المتشددون المعركة بعد اقتناصهم رأس السادات، وإما تلتئم شظايا العائلة حتى تنقشع الغيوم وتصفو السماء.

يحرص موقع آخر مترو على استكتاب مجموعة من الكتاب والروائيين والمبدعين لتقديم رؤاهم حول الكتابة إو تقديم مراجعات للكتب، إضافة إلى تقديم الموقع عدداً من ملخصات واقتباسات من أشهر وأهم الكتب التي ظهرت مؤخراً أو حققت رواجاً حقيقياً..

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى