مراجعة كتاب عمر طاهر “من علم عبد الناصر شرب السجائر”.. كل شيء في الحياة له وجه آخر

إبداء الرأي والتحليل من للكتابات من كاتب أخر أمر يفيد القاريء جداً في تكوين فكرة أكبر عن هذا الكتاب أو هذه الرواية ، وهذا ما يهتم به موقع آخر مترو دائماً، حتى يتيح للقاريء الخروج برؤية واضحة من هذه الكتب التي يقرؤها، وكذلك تعريفه أكثر بالكاتب مثل أحمد خالد توفيق  و أحمد مراد .

يحرص موقع آخر مترو على تقديم عد كبير من ملخصات الكتب وأهم الاقتباسات الوارد فيها، ونقدم اليوم ملخص كتاب عمر طاهر الأخير من علم عبد الناصر شرب السجائر مع استعراض أهم الأفكار الوارد فيه…

في كتاب عمر طاهر الجديد “من علم عبد الناصر شرب السجائر” ستتساءل ما العلاقة بين هروب فاتن حمامة من قبضة المخابرات في عهد عبد الناصر وبين حرق إسماعيل ابن محمد علي حياً في السودان وبين رواية سجن عباس محمود العقاد دفاعاً عن الدستور بتهمة العيب في الذات الملكية أيام الخديوية؟ وما علاقة تفاصيلنا النوستالوجية المتعلقة بالشتاء من شبورة فيلم (الحريف) لسوستة جاكيت عمرو دياب في (آيس كريم في جليم) للشال الأبيض فوق الهاي كول الأسود لأحمد زكي في فيلم (الهروب) بنهاية حياة عماد حمدي بعد أن استولت نادي الجندي زوجته الأولى على كل ما يملك لتعود فتحية زوجته الأولى لتخدمه مرة أخرى؟

لعل المقدمة غريبة بعض الشيء، لكنها بالتأكيد تجعلك تتساءل هل يمك لأحد أن يقدم ملخص كتاب عمر طاهر من علم عبد الناصر شرب السجائر؟ وهل ترك الكتاب مكاناً لأي قارئ لكي يكثف هذه المجموعة الكبرة من الافكار والتي ضاغها عمر طاهر في أصغر مساحة كتابية ممكنة؟

ملخص حكاية الكتاب

كثير من الحكايات غزلها عمر طاهر في أحد عشر سؤالاً تمثل متن كتابه الأخير “من علم عبد الناصر شرب السجائر؟” الصادر مؤخراً عن دار “الكرمة”، ومن سؤال الكتاب الأول (لماذا اختار السادات أن ينزل مطار بن جوريون ليلاً؟) يفرض الكتاب أسلوبه على القارئ، فهو يعتمد على سرد الحكايات والأخبار والقصص والذكريات بشكل يبدو للوهلة الأولى غير مرتب، ليترك له حرية الطريقة التي سيسخدمها في تجميع تلك القصاصات بالطريقة التي سيرتاح لها.

حرية الأسئلة ومقترحات الإجابة

بدون هذه الحرية لن يكون هناك رابط واحد بين مرور مدبولي في فيلم “الحفيد” (وهو فيلم يحبه عمر كثيراً كما صرح لنا في حوارنا معه مؤخراً)على مفاتيح النور ليغلقها واحداً تلو الآخر باكتشاف عبد الناصر لإصابته بالغرغرينا في رجله أثناء رحلة علاج بموسكو.. أو ماذا يربط بين (فاطمة) الزوجة الأولى للملحن علي الشريف الذي اتخذ من أم كلثوم زوجة ثانية، ثم يهرب منهما إلى فتاة ليل في المنصورة وقع في غرامها فتركت المهنة لأجله، لترقق روحه وتلهمه، بوقوع جمال سالم في حب الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق ومماطلة عبد الناصر له حتى قام بتهريبها إلى تركيا؟

كتاب عمر طاهر والسادات ومبارك

وما علاقة كل ما سبق ذكره بوصول السادات إلى مطار بن جوريون ليلاً؟ وهنا مثلاً يقترح الكتاب أن تكون الإجابة أن ظلام الليل يمنح وعوداً بالستر لأي شخص يسرق، ويربط ذلك بأن السادات طلب من جريدة الأهرام أن تحذف الجزء الذي ذكر فيه في خطابه أنه مستعد للذهاب إلى إسرائيل، ثم طلب في نهاية (الليل) بضم الجزء المحذوف إلى الخطاب، بل وأن يكون في الصدارة، وما الذي يفتحه باب التأويل من تساؤلات عن العلاقات بين الليل وفعل السرقة ومعاهدة السلام -على سبيل المثال-؟

لم يترك عمر طاهر أي سؤال بدون مقترح يستحق التفكير فيه كإجابة، وكذلك لم يقتل الأسئلة بإجابات نهائية، وبشكل مقصود أو غير مقصود ترك للقارئ مساحات تمكنه من إنتاج أسئلته الخاصة، منها على سبيل المثال: ماذا لو لم يكن حسني مبارك طياراً؟ أو ماذا لو كان لحسني مبارك ابنة؟

وما العلاقة بين خازوق سليمان الحلبي، وموت فاروق والسادات؟ أو ماذا لو لم يكتب عماد حمدي ثروته للفنانة الشابة نادية الجندي وقت أن تزوجها في بداية حياتها؟ أو هل توجد مساحات للتشدد في حياة أصدقائنا المسيحيين أيضاً؟ إلى غيرها من عدد غير معلوم من الأسئلة يحقق التفكير فيها هدف الكتاب تحديداً وهو (إنتاج الأسئلة).

عمر طاهر يستكمل رأيه في عهد عبد الناصر

يقدم عمر طاهر في هذا الكتاب ما يكمل به وجهة نظره في عهد عبد الناصر، بعد أن حملت ثنايا كتاب “صنايعية مصر” ظل اتهام لعهد الرئيس الراحل بإجهاض العديد من المشاريع الواعدة لعدد من رجل الأعمال الوطنيين مثل أبو رجيلة والجزار وغيرهما، حيث ينحاز في كتابه الجديد إلى رصد اعتناء عبد الناصر بالثقافة والفن كعماد رئيسي في بناء دولة، وإثبات كاريزمته التي لا تقاوم، وتقديم مصالح الوطن -كما رآها جمال-.

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
من علم عبد الناصر شرب السجائر

وإن لم يعفه كذلك من اللوم حين الحديث عن هزيمة 67، لكنه قطعاً تجبَّه معه ضد عبد الحكيم عامر الذي رآه قد تحرك وقتها بروح طفل غاضب، ربط الكاتب بحرفية شديدة بينها وبين روح طفل عمار الشريعي حين أراد مراراً وتكراراً أن يتأكد بنفسه من صدمة أن أباه كفيف.. وكأنه يؤكد على موضوعية تدوين الشهادات على أزمنة الرؤساء الثلاثة (عبد الناصر، السادات، مبارك).

اللهجة العامية المصرية وقدراتها الإبداعية والثقافية

حاول عمر في هذا الكتاب إثبات ضرورة إعادة النظر في قوى مصر الناعمة كحصن أخير لهويتها، ودلل على ذلك بالعديد من المقارنات والمفارقات الساخرة التي تؤسس للبحث مرة أخرى في ضرورة إعادة النظر في الأسباب التي ساهمت في تغيير مكونات تركيبتنا المصرية الخالصة التي تحوي كثيراً من علامات الوعي الفطري بفعل التراكم الحضاري..

ولعل أبرز ما لفت انتباهي أثناء إعداد ملخص كتاب عمر طاهر الأخير أنه ربط بين بين بعض المفردات التي صارت عامية بمعناها المعجمي الفصيح ليظهر ما أكسبته اللهجة العامية المصرية من بلاغة للفظ الفصيح كقوله مثلاً “والمصريون ينجون لأنهم ليسوا أهل طفاسة (طفس المرء بمعنى اتسخ)، أي أن الاستعمال العامي هنا أضاف لمعنى اللفلظ الفصيح، وهو ما تكرر مع (دوكة، المقاوحة، قرديحي، الأرَّ) ….إلخ.

كتابة عمر طاهر والمفارقات الشعرية

عمر طاهر
عمر طاهر مؤلف كتاب من علم عبد الناصر شرب السجائر

امتلأ الكتاب بالمفارقات الشعرية، كمفارقة خوف صديقه (بيتر) من أن يموت إذا شاهد التلفاز بشغف مثلما مات أبوه أمامه، أو انفراد نجيب محفوظ بصدور قرار رئاسي باسمه ثنائياً أو في الحقيقة باسمه مفرداً لأنه كان اسماً مركباً له وحده، أو قيام “فرح ديبا” زوجة الشاه إمبراطور إيران الأسبق باتصالها بأرقام عشوائية في طهران لتتحدث مع أي عائلة لتتبادل معهم الحديث وتخبرهم أنها غريبة، أو الالتفات لأول مرة لكم الرعب الموجود في جملة بنعومة “الدنيا ريشة في هوا”… وغير ذلك الكثير.

وربما دون قصد، صالَحَ عمر طاهر نفسه بالكتاب الأخير، والتأم فيه؛ ليسجل كل (عمر) حضوره، ابتداء من الصحفي عمر طاهر الذي لا يخفي ما في الكتاب من مئات القصاصات.. إلى عمر طاهر شاعر قصيدة نثر العامية الذي يعتني أكثر بتجليات الأمور الهامشية اليومية وظلالها أضعاف ما يهتم بتسجيلها وتوثيقها.. إلى السينارست عمر طاهر الذي يعرف جيداً أن المشهد الأول ليس الأهم لكنه المدخل، فمن الممكن أن يضعك داخل الحدث مباشرة، ومن الممكن كذلك أن يكون مكمن قوته في أنه يبدو للوهلة الأولى لا علاقة له بالحدث الرئيسي.. إلى كاتب الأغنية الذي حلم بأن يغني له عبد الحليم حافظ.. وصولاً إلى الإنسان المنتمي لجيل يناير والذي يدوِّن بسكوته وإشاراته أضعاف ما يدوِّن بحديثه.

كتاب عمر طاهر الأخير والتدوين بالصمت أحياناً

لم يكتفِ صاحب ” كتاب إذاعة الأغاني – سيرة شخصية للغناء” بالتدوين عبر الكتابة فقط، وإنما عني بتدوين بعض المواقف عبر الإشارة أو الصمت أو التورية، ومنذ البداية أشار في المقدمة بقوله “هذه المكعبات هدية لك يا صديقي، محاولة لالتقاط الانفاس، فأهلاً بك في غرفتي الصغيرة، ومعلش بس رجاء صغير وأنت تدخل: “اقفل الباب وراك”، ليأتي الكتاب ملتقطاً لحالة تقطع التنفس أو (النهجان) التي يعاني منها جيل كامل، يحاول أن يتحسس أثراً ما من السابقين ليرى موضع خطوته الآتية، أو على أقل تقدير يتوقف لالتقاط الأنفاس من خلال كتاب كهذا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى