صالة أورفانيللي وزمن الفساد الجميل.. خلطة أشرف العشماوي المميزة في السرد التاريخي

 إهتمام موقع آخر مترو بالكتابات نابع من الإهتمام بالقاريء، وتوصيل ماهية هذه الكتابات له، بالتحليل تارة وبالتلخيص تارة أخرى ونجد ذلك أيضا في ملخص كتاب ذكر شرقي منقرض و رواية ظل وعظم

طاهر عبد الرحمن- كاتب صحفي مصري: صالة أورفانيللي وزمن الفساد الجميل.. خلطة أشرف العشماوي المميزة في السرد التاريخي!

في روايته الصادرة مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة يعود أشرف العشماوي مرة أخرى إلى التاريخ ليقدم لنا تاريخ صالة أورفانيللي للمزادات، ومن خلالها يعبر على تاريخ مصر خلال فترات مختلفة.

هذه صيغة نجح فيها العشماوي، حيث قدمها قبل ذلك في روايتين: “تذكرة وحيدة للقاهرة” و”سيدة الزمالك”، حيث حكاية حدث/فرد تتقاطع مراحل صعوده وهبوطه مع تاريخ الوطن.

اقرأ أيضا جوائز أدبية عربية مفتوحة حالياً لكتاب الروايات والقصص للتقدم إليها

الملاحظ في الروايات الثلاث هو أن الفترة التي تتناولها الأحداث تكاد تكون ثابتة أو واحدة: السنوات الأخيرة من حكم الملك فاروق وسنوات عبد الناصر، وهي فترة بلا شك مثيرة وغنية روائيا بكل ما حملته من تناقضات ومفارقات غريبة وعجيبة، ونقرأ على لسان الشخصيات تقييما (ومقارنة) بين العصرين، وهو بالطبع تقييم “غير موضوعي وغير محايد”، لأنهم ليسوا أهلا له، لأنهم في غالبيتهم شخصيات منحرفة ومتورطة في جرائم على امتداد العصرين.

أورفانيللي .. صداقة حقيقية لكنها غريبة

في هذه الرواية (صالة أورفانيللي) يقدم لنا العشماوي قصة الصديقين: أورفانيللي اليهودي، صاحب الشخصية المترددة و”الطيب” لدرجة البلاهة، ومنصور الطموح والذكي، الباحث عن الثراء بأي وسيلة.

إنها علاقة صداقة حقيقية، لكن كل واحد منهما يفسرها – أو يستغلها – على طريقته الخاصة، ومنذ البداية يظهر جليا أن “منصور” هو الطرف الأقوى فيها، ويقوم – بحسب مفهومه للصداقة – بتتطويعها لخدمة مصلحته وأهدافه، منذ البداية حين حقق حلمه بتأسيس صالة “أورفانيللي ومنصور” للمزادات، وتخطيطه المحكم لكل شيء فيها ماليا وإداريا والذي يقوده إلى الصعود الاجتماعي.

أما “أورفانيللي” – وبسبب طبيعته الخجولة والمترددة وشخصيته السلبية الوادعة – فإنه بموجب تلك الصداقة يتنازل تدريجيا عن “حقوقه” واحدا تلو الآخر حتى يكاد أن يصل للتنازل عن “شرفه” – وهو ما لا يتحمله قلبه فيموت على باب الصالة غاضبا وحزينا من نفسه ومن صديق عمره.

واقعة حقيقية

قدم أشرف العشماوي روايته “سيدة الزمالك” من وحي واقعة قتل حقيقية حدثت في عشرينيات القرن العشرين، وفي روايته الجديدة ينتقي بعض الوقائع الحقيقية ويدخلها في سياق العمل والتي لها دلائل معينة.

من أشهر تلك الوقائع كانت واقعة “ليلى” – زوجة أورفانيللي – التي أعجب بها الملك فاروق، وقام أنطون بوللي (مدير مكتبه الخاص) بالاتفاق مع “منصور” على أن تذهب للملك في قصره (بحجة عرض بعض المقتنيات عليه)، ولكن تراها وصيفة الملكة فريدة في جناح الملك وتحدث ضجة كبيرة، وتصر الملكة على استدعاء الشرطة وتحرير محضر لتلك المرأة الغريبة، وتتدخل حاشية الملك في الأمر وتقوم بإصدار شهادة من مستشفى خاص بأن “ليلى” مصابة بمرض عقلي.

اقتباس من رواية “صالة أورفانيللي”: “أنا وأنت وكل الناس حوالينا .. أنت معروض وغيرك واقف مستنى دوره في مزاد الجواز والشغل والشراكة والصداقة والعلاقات الخاصة والسياسة والمصالح .. كل دي مزادات بشكل مختلف انت بتختار اللي يناسبك وينفعك ولو معاك تمنه او لك مصلحة فيه .. ولو هو محتاج لك حيشتريك ويدفع فيك أكتر من قيمتك لكن ساعات بتضطر تقبل بأي حاجة غير اللي كنت عاوزها لانك بساطة ماقدرتش على تمنها وفي نفس الوقت محدش عرض يشتريها”

هذه الواقعة حدثت بالفعل، مع الاختلاف طبعا في التفاصيل، وقد تم تسجيلها كاملة في دفاتر الحرس الملكي وقتها، وبطلة القصة الحقيقية اسمها أيضا “ليلى شيرين”، ولكنها كانت “متسامحة في الفضيلة” (كما وصفها السفير الإنجليزي في تقرير له) وكان الاتفاق أن تذهب للقصر، على أن يقابلها الملك بعد أن يفرغ من عشاء رسمي يقيمه للوفد المصري المشارك في اجتماعات سان فرانسيسكو (لوضع ميثاق منظمة الأمم المتحدة) ولكن العشاء أُلغي، وسافر فاروق إلى الفيوم ونسى موعده مع صديقته.

وكان من حظ تلك المرأة السيء أن رأتها وصيفة الملكة، السيدة نعمت مظلوم، ونشبت بينهما مشادة كلامية، وعندما عرفت فريدة رأتها فرصة لكشف مدى استهتار الملك فاروق بعرشه وبكرامة زوجته، وبالفعل حررت محضرا في قسم شرطة عابدين، لكن تدخل رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي لمنع تسرب الفضيحة الملكية وقاموا باستصدار شهادة من مستشفى جيلات بأن “ليلى شيرين” مصابة بمرض عقلي وتم إيداعها المستشفى، وكذلك تم حفظ ماء وجه الملك!

البحث عن الخطأ

يتساءل قارىء رواية صالة أورفانيللي بعد معرفة مصائر كل الشخصيات: أين يكمن الخطأ بالضبط في كل ما حدث؟ إن الطموح والذكاء والسعي نحو الثروة ليسوا جريمة بأية حال، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك خيط رفيع يفصل بينهم وبين الانتهازية والنصب والاحتيال.

لكن يمكن القول – باطمئنان – أن مزايا وعيوب كل شخصية كانت واضحة تماما أمام الآخر من البداية، وهناك يكون الخطأ في الاختيار.

كان أورفانيللي يعرف عيوب ومزايا صديق عمره منصور منذ البداية، فهل تكون مفاجأة له أن يغدر به صديقه ويخونه، أيا كان شكل وأسلوب الغدر والخيانة؟ إننا هنا لا نبحث عن أي تبرير لما فعله منصور بأورفانيللي، لكن في نفس الوقت لا يصح أن نعفي الصديق المغدور من المسئولية لمجرد أننا نتعاطف دائما مع المهزوم، فربما كانت هزيمته من داخله هو!

من زاوية أخرى يمكن لنا اعتبار أن منصور – مع كل جرائمه – رد لصديقه الجميل مرة ومرات، حين أشركه معه في تجارته وساعده على الصعود الاجتماعي.

“بوللي” مرة أخرى

للمرة الثانية تظهر ضمن شخصيات رواية من روايات أشرف العشماوي شخصية “أنطون بوللي”، مدير المكتب الخاص للملك فاروق، وهو في الأصل “كهربائي” استطلفه الملك وهو صبي فقربه منه وظلت علاقتهما وطيدة حتى خلع فاروق عن عرشه.

كان “بوللي” – ومعه كريم ثابت المستشار الصحفي للملك ومحمد حسن رئيس الجناح الخاص – ممن يمكن أن نطلق عليهم “مراكز قوى” العصر الملكي، ثم حدث أن فقدوا كل شيء بسقوط ملكهم.

هؤلاء الثلاثة كانوا أول من “ضحوا” بملكهم، وقدموا شهادتهم وكل ما لديهم لضباط يوليو حتى ينجوا من المقصلة، وكان كل واحد منهم يملك الكثير من المعلومات والأسرار.

ويبقى ل”بوللي” وضع خاص جدا، فلم يكن الملك فاروق يعتبره مجرد تابع مخلص أو صديق حميم، بل أكثر من ذلك، حتى قيل أنه من بين طلباته قبيل صعوده يخت المحروسة في طريقه للمنفى هو أن يصحبه بوللي، لكن بوللي – كما قيل – هو من رفض طلبه، وقيل أيضا أن فاروق بكى بسبب ذلك.

هذه شخصية درامية من الطراز الأول، وإن كان ظهورها في رواية العشماوي هامشيا لحد ما، إلا أن تكرار ظهورها يضعها في بؤرة الاهتمام، وربما تحتاج لرواية منفصلة!

صالة أورفانيللي وزمن الفساد الجميل

تبدأ أحداث الرواية في زمن الملك فاروق ثم زمن جمال عبد الناصر كله، وتنتهي أحداثها في سنة 1972، وهو ما يتيح لشخصياتها أن يلحظوا – ويسجلوا – الفارق بين العصور الثلاثة ومميزاتها وعيوبها، من وجهة نظرهم بالطبع، وتأثير سياسة كل عصر على تجارتهم وحياتهم.

وببساطة شديدة – ورغم الاختلافات بين العصور الثلاثة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا – إلا أن “الفساد” كان أقوى منها جميعا، ففي كل عصر كان هناك “الفاسدون” وهناك من هو مستعد للفساد والإفساد، وهناك من يلعبون على كل الخيوط ومع كل السياسات، وتتغير السياسات لكن يبقى دائما “الفاسدون” بقدرتهم العجيبة على التلون والتكيف مع كل المتغيرات.

هؤلاء الفاسدون نسمعهم يترحمون على كل زمن سابق، ويتحسرون على أي زمن جديد، هي فقط مسألة شهور قليلة حتى يتعودوا على ذلك الجديد، ثم يقومون بتحديد ثغراته وبسرعة ينفذون إلى داخله!

هنا لا يوجد ما يمكن أن نطلق عليه “زمن الفساد الجميل”، لأن كل زمن – بالنسبة للفاسدين – جميل مهما كانت درجة عدائه لهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى