أثر الفراشة Butterfly Effect ونظرية الفوضي Chaos Theory

0

هذه الكلمات التي استخدمها الشاعر وينفيلد سكوت Winfield Townley Scott في وصف الأثر الذي يمكن أن تسببه الفراشات في قصيدته Annual Legend، والذي يُطلق عليه أثر الفراشة Butterfly Effect، وهو مصطلح مجازي لنظرية الفوضى أو Chaos Theory، يُستخدم للتعبير عن مفهوم الاعتماد الحساس والمهم للحدث على الظروف الأولى المحيطة له، كما أن هذا المصطلح يأتي للوصف المجازي لحالة ما، وليس لتفسير الحالة.

أثر الفراشة Butterfly Effect ونظرية الفوضي Chaos Theory

أصل مصطلح أثر الفراشة

كما يشير هذا المصطلح في الأساس إلى أن الفروق الصغيرة في الحالة الأولى لنظام متحرك قد تؤدي إلى سلسلة متتابعة من النتائج و التطورات المتتالية على المدى البعيد، والتي يفوق حجمها بمراحل حدث البداية، وبشكل غير متوقع، في أماكن أبعد ما يكون عن التوقع، فاتخاذ قرار ما يؤدي إلي قرار جديد ثم قرار آخر وهكذا في سلسلة من القرارات تنتهي بانتهاء الحياة، وقد عبّر عنه مفسرو النظرية بمثال واقعي بسيط فيما معناه أن رفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا أو أوروبا أو أفريقيا.

استخدامه في الكتابات الأدبية

وقد اُستخدم هذا المصطلح المجازي في كثير من الكتابات الأدبية، فمثلًا حدث في لحظة ما قد يغير حياة شخص بأكملها، قرار في لحظة ما يُبنى عليه حياة كاملة، صدفة ما قد تغير مصائر حيوات الكثير وهكذا.

A million butterflies rose up from South America

All together, and flew in a gold storm toward Spain…

وكان أول من صاغ اسم “أثر الفراشة” لنظرية الفوضي أو فوضي الكون أو نظرية الشواش، هو إدوارد نورتون لورينز Edward Norton Lorenz 1963، وهو رياضياتي وعالم أرصاد جوية أمريكي، حيث كان أول المساهمين في ابتكار تلك النظرية وتفسيرها في مجال الرياضيات و الفيزياء و العلوم عامة.

أثر الفراشة Butterfly Effect ونظرية الفوضي Chaos Theory

التصوير في حياتنا موضة أم حاجة ” إذا زاد الشئ عن حده انقلب ضده”

نبذة عامة عن أثر الفراشة

في عام 1961، كان لورينز يستخدم نموذجًا حاسوبيًا رقميًا لإعادة التنبؤ بالطقس من منتصف الدورة السابقة كاختصار، وحين أدخل الشرط الأولي 0.506 من النسخة المطبوعة بدلاً من إدخال القيمة الدقيقة الكاملة 0.506127، نتج سيناريو طقس مختلف تمامًا، وفي عام 1963 نشر دراسة نظرية عن هذا التأثير في ورقة مؤثرة بعنوان Deterministic Nonperiodic Flow.

استخدم لورينز مصطلح الفراشة لاحقًا بعد اقتراح زملائه، فعندما فشل في تقديم عنوان لخطاب كان سيلقيه في الاجتماع الـ 139 للجمعية الأمريكية لتقدم العلوم في عام 1972، قام فيليب ميريلز باقتراح العبارة: “هل تؤدي رفرفة أجنحة فراشة في البرازيل إلى إعصار في ولاية تكساس؟” كعنوان، وعلى الرغم من أن فكرة رفرفة جناحي الفراشة “أثر الفراشة” ظلت ثابتة في التعبير عن هذا المفهوم، إلا أن مكان الفراشة والعواقب وأماكنها تباينت بشكل كبير، وبشكل غير متوقع.

تشير العبارة إلى فكرة مفادها أن أجنحة الفراشة قد تحدث تغيرات بسيطة في الجو يمكنها في النهاية أن تغير مسار أو تؤخر أو تسرع أو حتى تمنع حدوث إعصار في مكان آخر، وهذا لا يعني أن الفراشة تقوم بتوليد الطاقة أو إنشاء الإعصار مباشرة، ولكن المقصود من المصطلح أن رفرفة الأجنحة جزء من الظروف البدائية؛ بحيث تؤدي مجموعة ما من الظروف إلى إعصار وأخرى لا، وبذلك تمثل رفرفة الجناح تغيرًا طفيفًا في الحالة الأولية للنظام يؤدي إلى تغير شامل في الأحداث، أي لو لم تكن الفراشة ترفرف بجناحيها، فقد يكون مسار النظام مختلفًا إلى حد كبير، ولكن من الممكن أيضًا أن تكون مجموعة الظروف بدون الفراشة التي ترفرف بجناحيها هي المجموعة التي تؤدي إلى إعصار، وهذا هو أثر الفراشة.

على عكس تصورنا عنها.. ما علاقة التنمية البشرية بتدهور المصاب بالمرض النفسي

تاريخ النظرية

وكان قبل كل ذلك الكثير ممن حاولوا إيجاد تفسيرًا للظواهر الغير مفهومة، مثل يوهان غوتليب فيشته حيث قال في كتابه The Vocation Of Man-1800 لا يمكنك إزالة حبة رمل واحدة من مكانها دون تغيير شيء ما عبر جميع أجزاء الكل اللامحدود.

وُصِفَت نظرية الفوضى والاعتماد الدقيق على الشروط الأولية في الأدب كمسألة محددة لمعضلة الأجسام الثلاث لهنري بوانكاريه في عام 1890، واقترح فيما بعد أن مثل هذه الظواهر يمكن أن تكون شائعة كما في علم الأرصاد الجوية مثلًا.

وفي عام 1898، لاحظ جاك هادامار التباعد العام للمسارات في فضاءات الانحناء السلبي، كما ناقش بيير دويم الأهمية العامة المحتملة لهذا في عام 1908. وكان أول ظهور لفكرة أن فراشة واحدة من الممكن أن تؤدي إلى تأثير مضاعف أو موجي Ripple Effect قادر أن يؤثر في نهاية المطاف على الأحداث التاريخية اللاحقة، في قصة قصيرة لراي برادبري تدعى “صوت الرعد-1952“، تتحدث عن السفر عبر الزمن.

وقد أشار الصحفي بيتر ديزيكس في مقالٍ ما في صفيحة بوستن جلوب الأمريكية إلى أن الثقافة الشعبية تحب فكرة تأثير الفراشة، ولكنها تخطئ فهمها، ففي حين تمكن لورنز باستعارة لفظ أثر الفراشة بإيضاح أن القدرة على التنبؤ “محدودة بطبيعتها”، إلا أن الثقافة الشعبية تفترض أنه يمكن تفسير كل حدث من خلال العثور على الأسباب الصغيرة التي تسببت في ذلك، ويشرح ديزيكس: “إنه يخاطب توقعنا الأكبر بأن العالم يجب أن يكون مفهومًا وأن كل شيء يحدث لسبب ما، وأنه يمكننا تحديد كل تلك الأسباب مهما كانت صغيرة، ولكن الطبيعة نفسها تتحدى هذا التوقع”.

فيلم تأثير الفراشة

في عام 2004 تم إصدار فيلم بعنوان تأثير الفراشة، كان يتحدث عن شاب يريد استرجاع ذكرياته، وفي محاولة الوصول لهدفه، يتمكن من السفر عبر الزمن في سبيل الحصول على ذكريات طفولته، ما أثار دهشته، بل في الحقيقة أثار دهشة الجميع، هو اكتشاف تلك القوة المتحكمة في مصائرنا، تلك القوة التي تتمتع بها القرارات الصغيرة التي تشكل مستقبلًا بل حياةً كاملة لشخص ما على إثرها تكمن سعادته أو شقاؤه، فالحياة عبارة عن مجموعة من القرارات الصغيرة، والتي بدورها تتحكم في مصير الإنسان، فلك أن تتخيل بأن تلك القرارات التي نتخذها في أجزاء من الثانية تؤدي لقرارات أكبر تتحكم في تكوين شخصية الإنسان و عقله وبالتالي تتحكم في شكل حياته، أليس مُخيفًا؟!

وكما افترضت تلك النظرية ثورة في طريقة عمل الكون، مما أثار الرهبة في قلوبنا علي الأقل لوهلة من الزمن، ولكنها في حقيقة الأمر قادرة علي إحداث ثورة تجاه تغييرات ضخمة نحو الأفضل.

أثر الفراشة Butterfly Effect ونظرية الفوضي Chaos Theory
Hand drawn great peacock moth

تطبيقات نظرية أثر الفراشة

ويُمكن تفسير تلك النظرية بصور عدة منها، اعتمادًا علي التفسير العام لها، والذي ينص على أن تغييرًا صغيرًا قادر على تغييرات كبيرة مختلفة التأثير؛ لذا فنحن قادرون علي إحداث تغيير عظيم استنادًا بتلك التغييرات الصغيرة، فأفضل ما يمكن أن يقدمه الإنسان هو تلك المجموعة من التغييرات الصغيرة، فأثر التغيير دائمًا ما يكون أفضل من التأثير نفسه.

فمثلًا قد يعيش البعض طوال حياته منتظرًا تلك اللحظة التي سيصبح بها نموذجًا مشهورًا كي يقتضي به الناس أو كي يُحدث تغيير أو كي يُورِث تلك الصفات الحميدة بين المجتمع، كي يصل لتلك الصورة المثالية التي رسمها للعالم من حوله، وفي حقيقة الأمر، لا وجود لعالم مثالي، لذلك فإن أفضل وسيلة لتحقيق التغيير أو ترك أثر حقيقي، هي تلك التغييرات الصغيرة التي تتوارث بين الناس، بين مستحقيها.

ومن هنا نأتي لإجابة السؤال الوجودي الذي تسبب في أرق الكثير ول ماهية وجودنا وكيفيته، وعن رغبتنا البشرية الإنسانية في تغيير العالم من حولنا، نحن لا نملك القوة الكافية لتغيير العالم، ولكن نملك مجموعة قوي صغيرة قادرة علي إحداث تغييرات صغيرة لتغيير العالم.

وفي النهاية أريد أن اذكر قصة صغيرة لتبسيط نظرية الفوضي أو فوضي الكون، فمثلًا عند مرور سيارة أجرة في طريق ما صادف خروج فتاة من درس الباليه، ولكن استغرق السائق خمس دقائق لشرب القهوة، وفي تلك الخمس دقائق عبرت الفتاة الطريق، في نفس الطريق في عالم موازٍ، لم يمر السائق لشرب القهوة، وبالتالي فقد تقدم الوقت بخمس دقائق عن نظيره، وعبر الطريق في نفس الوقت الذي عبرت فيه الفتاة الطريق، واصطدمت به، تلك قصة صغيرة لا نعايرها اهتمامًا، ولكن هذا بالفعل ما يحدث في حياتنا اليومية.

كل تلك المحاولات من العلماء لتفسير ماهية الكون وكيف يسير، ولكن يظل الكون لغزًا غير قابل للحل، وتقف عنده عقول العلماء، فمن الطبيعي أن يقف الإنسان عاجزًا أمام قوى أكبر منه، وهذا هو الحال.

Like the butterfly effect

It was only just a speck

That made into a broken hearted mess

مثل أثر الفراشة

كانت مجرد بقعة

والتي تسببت في قلب فوضوي مكسور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.