رواية اللزج: رؤية بنائية للنص

0

محمد ربيع حماد- كاتب وقاص وشاعر- رواية اللزج: رؤية بنائية للنص

باستحضار الموروث الثقافي للأجناس الأدبية، نجد أن السرد كرافد يتوازى مع الشعر في إثراء الحركة الأدبية والثقافية حول العالم قد تنوعت فنونه ما بين القصة والرواية الطويلة، والنوفيلا وهي تتوسط القصة والرواية، وتسمى بالرواية القصيرة وهي الرواية التي يتراوح عدد كلماتها ما بين عشرة آلاف إلى عشرين ألف كلمة أو أكثر من ذلك تبعًا لعدد كلماتها أو عدد صفحاتها فإذا كانت من نوع الرواية الصغيرة غلبت عليها تقنية الرواية وإذا كانت من نوع الأقصوصة الطويلة غلبت عليها تقنية الأقصوصة، ومعروف أن هذه الأخيرة لم تحظ بغزارة التواجد مثلما نجد الروايات الطويلة، بالنظر إلى رواية اللزج، نرى أنه ينتمي جنسويا إلى هذا النوع.

وتجدر الإشارة إلى أن  توالي الموَلَّدات الفكرية وما يطرأ على المزاج العالمي، بين الحين والآخر من زوال منهج أو نظام عالمي وبزوغ آخر، وعزوف الناس إلى مذهب معرفي أو  فلسفي جديد حيوي يتشبثون بتلابيبه، نجد الأدب في عمومه  وفن الرواية تحديدا لم تكن بمنأى عن هذا التطور والتغير، من جانب ميل القراء إلى الحكايات الطويلة التي لا يريدون الخروج منها أو الهروب إلى هذه العوالم الحكائية الطويلة على وجه الدقة، ومن جانب آخر نحا فريق من الكتاب إلى نسج الرواية الطويلة سعيا إلى الجوائز الأدبية ذات العائد المغري، أو بغرض التقليد ومسايرة الوضع العام للكتابات الخالدة، إلا أن هناك قلة من الكتابات نجحت في الوصول الرواية القصيرة جنبا إلى جنب بالمساواة مع الرواية الطويلة، بل من هذه الأعمال ما يعتبر علامات فارقة في فن الرواية الحديثة ويعتبر نتاجا طبيعيا للصراعات الأيديولوجية بين الرأسمالية والشيوعية والمذاهب والحركات الفلسفية كالوجودية والعبثية والعدمية إلخ… ، من هذه الأعمال على سبيل المثال لا الحصر (المسخ لفرانز كافكا، مزرعة الحيوان لجورج أورويل، الغريب لألبير كامو، عن الرجال والفئران لحون شتاينبك، الحمامة باتريك زوسكيند، بيانو فاطمة لمحمد المخزنجي، صخب البحيرة لمحمد البساطي، حجرتان وصالة لإبراهيم أصلان، وغيرها..).

على أنني وبكل أريحية أستطيع ان ألحق رواية اللزج ، بهذه النماذج المتقدمة. ذلك النص الذي يربو على المائة صفحة بقليل، تحديدًا تقع رواية اللزج في سبع ومائة صفحة، وأزعم أن قارئ هذه الرواية سيجد أنها سبيكة سردية من عيار خاص جدًا لما حوته من معلومات ذخرت بها ثقافة الكاتب الدكتورمحمد سمير رجب،  بروافده الفلسفية والمعرفية، بالإضافة إلى قاموس لغوي عملاق، استطاع من خلاله نسج نصه بلغة رشيقة راعت مقتضى حال الخطاب على مدار الرواية، وهو ما تبدى لقارئه أثناء مطالعة (أقرباذين) مجموعته القصصية الأولى، وكتبه الفكرية وأشهرها (والصبح إذا تنفس).

” بابا ياجا “.. قصص رعب روسية تشبه تراثنا المصري

المدلول اللغوي لكلمة اللزج

•لغويًا، تلزَّج الشيء: لزق بعضه ببعض، وتلزق الطعام: أو الطيب تمطط وتمدد. يقال رجل لزجة ملازم، لا يبرح مكانه.

وهذا المدلول اللغوي يقابله أيضا لزوجة تمثلت في نفسية

خالد بطل ومحوررواية اللزج، وتجدر بنا الإشارة إلى ربط اللزج كانسان نص جسمه غارق في مستنقع طموحاته كبيرة لكن قدرته على مجاراة طموحه و استيعاب الدنيا و تحصيلها ضعيفة_  بالتوطئة المهيبة لهيرمان هيسه «إن الجميع يحملون معهم بقايا مولدهم، اللزوجة وقشور البيض، حتى النهاية! تلك التي صدربها المؤلف رواية اللزج، خالد بصفاته وحياته الموازية ومعتقداته التي تبدو غريبة بل صدامية مع محيطه، حيث أنه مقيم في عزلته، قلق وحيد، هائم في خياله، سابح في عالم مواز بعيدا عن الواقع.

• إهداء يمثل حالة القلق الوجودي التي انبثق منها عالم هذه الرواية المتسائل، الساخر، اللا مبالي، اللا منتمي.

«إلى كل حائر قلق، في عالم محير مربك.. ومدهش أحيانا..إلى الأنفس التي ضاعت أو كادت، التي وجدت 
نفسها أو لم تجد».

نداء الملك بعث جديد لألف ليلة وليلة

رواية اللزج: التقنية والمعالجة السردية

عرفَ مصطلح تعدد الرواة، كتقنية بنائية تتعلق بصيغة بناء الرواية أو هي الرواية متعددة الأصوات، التي تقدّم بواسطة أكثر من راوٍ، والتي بناء على استخدامها فقد ألغيت ضمنيًا سطوة البطل المطلق وتم استبدالها بما عرف حديثًا بالبطولة الجماعية و ليس فقط الحد أو إلغاء دور الراوي العليم.

وبالعودة إلى مدلولات مصطلح “البوليفونية” الذي اجترحه باختين ثم ترجم ب “تعدد الأصوات” تجدر بنا الإشارة إلى بعض التباس في فهم هذا المصطلح ومن ثم الوقوف على النتائج التي تنزاح من هذا التأصيل. في العدد 99 من مجلة الكلمة يوليو 2015 ذكر الباحث محمد رشيد السعيدي تحت عنوان (تعدد الرواة بديلا عن تعدد الأصوات في الرواية العراقية الحديثة (1966- 2014)  ): «وقعت رواية الأصوات في دائرة الالتباس، لأسباب كثيرة، وفي المستويات المتتالية للمعالجة. وتتعلق تلك الأسباب بكل المتغيرات الداخلة في العملية النقدية، من الترجمة، الى رؤية الناقد، الى المنهج .. وغيرها. ولكنها تتجلى، وترتكز على سببين، يبدوان أهم من الأسباب الأخرى، وهما: التباس المصطلح في الاستخدام وتعددية دلالاته. إذ يقصد بمصطلح الصوت مرة الشخصية، وفي ثانية الكلام، وفي ثالثة الراوي”. “أما مصطلح البوليفونية – المستعار من الموسيقى على اعتبار أنها “مجموعة أصوات موزونة”فقد ورد لدى بعض النقاد بمعنى تعدد الأصوات، كبديل، أو تعزيز للدلالة، مع كونه أجنبيا؛ لكنه، يزيد الأمر التباسا، أو لا يفيد. فهو: “أساليب فنية في الموسيقى تعتمد المسار الأفقي والتتابع والتداخل وتعني تعدد الأصوات”. ويعني تعدد الأسطر اللحنية أو الآلات الموسيقية المشتركة في تشييد القطعة الموسيقية، مما يربطه بالفوجة، من جهة ومن جهة أخرى بالهارموني؛ والذي يقصد به: “تركيب الأصوات عمودياً وتعزف معاً، وهي تضفي Harmony جمالية على اللحن وتكثفه. ولهارموني معانيها الأدبية: توافق، انسجام، ملاءمة».

ليخلصَ بملاحظة التناقض والالتباس الذي سيعتري الرؤية النقدية للرواية بناء على ما تقدم فإذا كان تعدد الأصوات أفقيا، والهارموني عموديًا، فأي رواية تلك المبنية عموديا وأي رواية تلك المبنية أفقيا؟!

هنا من حيث التصنيف نقديًا نكون أمام روافد أو مسوغات  من حقها إفادة الحكم على رواية اللزج بأنها متعددة الأصوات بكفاءة ومهارة.

وقد انتهج المؤلف تسمية الفصول بأسماء الرواة، أو بمدلولات لغوية خاصة بكل راوٍ، مُصدِّرًا كل فصل باقتباس قصير حاذق، ليكون بوابة للولوج إلى هذا الفصل.

على أنه استخدم صيغة الرواي العليم، لسرد فصول خالد الشخصية المحورية لرواية اللزج، وباقي الفصول لشخصيات: رفعت، مدحت، نوران، ميساء بضمير المتكلم.

الكاتب والمنفى:الكاتب بين مطرقة الأنظمة الاستبدادية وسندان المنفي

الفكرة والمعالجة الموضوعية:

«الإنسان يارب ليس أنا فقط»، بهذه الجملة الدُّعائية يمكننا القبض على قلب هذا النص الإنساني حد البكاء.

خالد، اللزج، المتشبع بالميثولوجيا اليونانية، الذي توحي شخصيته باللامبالاة، بينما يسكنه فيلسوف باحث عن كينونة الكون وماهية الإنسان، والحمض النووي للحياة، دفعه القهر المجتمعي، وحصر معيشته العالقة بين واقع يرفضه وخيال تنتمي إليه روحه التواقة وكيانه الذي لا يهدأ_ إلى الإصابة بالميثومانيا، وخلق قصص مكذوبة والاختباء خلفها، ذلك الخليط المهلك الذي تلقاه منذ إطلالته على الدنيا، ليصنع لنفسه عالما موازيًا يتعايش من خلاله مع انتكاسات عالمه الحقيقي، ذلك الحائر، القلق، الخائف، اجتمعت فيه تلك اللعنات النفسية بالإضافة إلى العجز الجنسي، مما دفعه لاختلاق حكايات واهية لإبعاد ميساء عن اكتشاف حقيقته، هي ممثلة الانوثة الحسية في الرواي، لتنشأ علاقة خالد بنوران وللاسماء دلالة مباشرة على أدوار الشخصيات مما يشي بحنكة المؤلف، نوران الجانب المضيء الوحيد في حياة خالد، والتي استطاع بكل مافيه من عقد إنسانية،  أن يدخلها دهاليز عالمه الغامض، وسمح لها بمعرفة أدق أسراره بعد ما أوت إليها روحه المسكينة، والتي حاولت أن تقيل عثرته مع الحياة، بعد فقدان الأب الذي أولج بطل الرواية إلى عالم الأساطير اليونانية بحكم تخصصه كأستاذ للأدب الإغريقي، وكان هو الملاذ لخالد في حياته القلقة، والقادر على احتواء شخصيته المتشعبة والمثقلة بالتشابه مع صفات آلهة الإغريق،  ليرحل خالد في مفارقة متقنة، ويخلد قصته كاتب حاذق استطاع أن يلطم الدنيا على وجهها فكتب هذه الرواية، رواية اللزج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.