تنمر المقارنات.. وجه جديد من أوجه التنمر نراه بالملاحظة

0

رولا عبيد- كاتبة مقالات رأي- تنمر المقارنات.. وجه جديد من أوجه التنمر نراه بالملاحظة

أتذكر قصة لصغيرٍ روي قائلا ..
كل يوم قبيل ذهابي للمدرسة تكتظ طبلة أذني بعبارات أمي الصباحية المعتادة( لا تدع سمير زميل التختة يتفوق عليك ويرتقِ للمركز الأول على المدرسة فتخفق و لا تلحق إلا بالمرتبة الثانية أو الثالثة. فلتكن منتبها لدروسك ياصغيري حفاظا على ماء وجهي أمام جاراتي)..
و أخرى كـ (تناول شطائرك كلها حتى لا تصبح نحيلا وتجعل إبن عمك الكبير يفوقك لياقة وصحة..فلتكن الأقوى والأجمل من بين أبناء أعمامك)..
وغيرها من نظيراتها مما يجعل صباحي منقوص الحماس،فاتر الهمة يجر يومًا مملًا..وذلك نقيض مقصد أمي المنشود منها، لما أكن أفهم أن ذلك نوع من أنواع التنمر وهو تنمر المقارنات.

لم أكن أحمل ضجرًا من إعتياد أمي معي على إستخدام عبارات المقارنة قدر ماكنت أتكبد خيبات أملٍ حين ولِيت سمير بترتيبي الدراسي..وأصبحت أنحف وأضعف من أبناء أعمامي!..

Black girl with sadness emotion

على عكس تصورنا عنها.. ما علاقة التنمية البشرية بتدهور المصاب بالمرض النفسي

تنمر المقارنات: أن تكون الأفضل أو أن تكون لا شيء

يترسخ في عقول أغلبنا عقيدة فكرية ثباتها أقوى مئة مرة من ثبات شجرة شاهقة الطول في نسيج الأرض بجذورها!!
هذه العقيدة مفادها ((أن تكون الأفضل أو لا تكون شيئا)).
ومعتنقي هذه العقيدة دائما ماتجدهم متطرفي الأحكام..
إن مدحت أمامهم شخصًا ما حلو المُحيّا سيذهب فهمهم تلقائيا بأن صديقه المجاور أقبح منه…
تلك الفتاة ذكية تعني عندهم أن أختها حتما هي الأحمق، وهم لا يدركون أن ذلك نوع من أنواع التنمر.
وكأن نصيبهم من اللغة مختصرا في أساليب المقارنة والتفضيل؟!..
ويخرج منهم تلك الزوجة التي إن أشدت بجمال
مطربتك المفضلة ..فستقضي ليلتك تتشوق سريرك ولن تحصل عليه وذلك لأنك نعتها بالقبيحة؟!!..

تنمر المقارنات التنمر وما يفعله في البشر

تنمر المقارنات: من يضع المعايير

هل حينما خلق الله الأجناس جميعا منح عظيم أرزاقه لمن هم الأفضل؟!..
وهنا تومض الأسئلة الأهم والأعمق والتي تتدافع بداخلي وتضارب رأسي كالذبابة الزنانة ..
من هم الأفضل؟!..بأية معايير؟!.. وبمعايير من؟!!..
هل نذهب مثلا لمديرة المدرسة لتخبرنا أن سمير أفضل من صغيرنا لأنه تفوق عليه في إمتحانات نهاية العام؟!..
ولكن ماذا عن هواياته المفضلة ؟!..ماذا عن نجاحاته الصغيرة والتي لا تتبلور أثناء ممارسته لدوره كتلميذ في مدرسة مُعدمة توظف مديرة حمقاء؟!!.
وحقا لن نقصد جيرانه واحدا واحدا لنقدّر كمية الشطائر المُلتهمة في الساعة الواحدة فتكون مقياسًا للصحة والشهية المضبوطة بين الصغار فيكون الأكثر صحة والأقل شهية!!..

الفكر التفضيلي والعقيدة الأفقية

لا أخفي عليك أمرا قارئي العزيز..

قبل أن البشر علي ماسبق سرده يتم تصنيفهم.. إلى نوعين.. ذوي (الفكر التفضلي)أو (العقيدة الرأسية) ..وأصحاب (العقيدة الأفقية)..
أما العقيدة الأفقية فتلك مايعتقدها من هم دائما يتصفون بالمصداقة وعدم الزيف ..
من يفضل المبادئ على العُرف والتقليد..
هم ناصري الحق على الباطل وإن كان منتشرا لاعتيادية أغلب المحظورات.
هم من يتعمقون بداخل أنفسهم فيكتشفونها ويتقبلونها فيزرعونها داخل التربة المناسبة من أدوار الحياة..
دون الانجراف وراء منطقية المجتمع العقيم.
منهم من يكون الموظف البسيط ..الفلاح المثابر..الطالب المتوسط ..وبطل الأدوار الثانوية في الأفلام الشهيرة..
ومنهم من يصفهم مجتمعاتنا المتأخرة بـ(النسخ المتكررة) لعدم تسليط الضوء عليهم ..ولأنهم لم يبرزوا في الأعلى مرتبة في دورٍ ما في حياتهم.

الاحباط كيف تتخلص منه فى خطوات بسيطه

تنمر المقارنات: الدين الإسلامي يعترف بالكفاءة كمعيار ثقة

في العام الحادي عشر من الهجرة أمر نبينا الشريف محمد(ص).. بتجهيز جيش إسلامي بقيادة الشاب الصغير (أسامة بن زيد) ذي السبعة عشر عامًا إستكمالًا لغزوات المسلمين ضد الروم وكان ذلك بعد غزوة تبوك بثلاثة أعوام …
وكان الجيش يضم كبار الصحابة الأولين فيهم أبو بكر الصديق..عمر بن الخطاب..سعيد بن زيد ..وسعد بن أبي وقاص…
وحين إعترض منهم طائفة قائلين( يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟!»،
ما لبث أن قطع الرسول تمردهم وخرج فيهم خطيبًا رغم مرضه الشديد حينئذ ٍ.
ولكن تشاء الأقدار أن النبي وافته المنية وجيش المسلمين بقيادة الشاب الصغير قد بدأ بالتحرك إستعدادًا للمعركة..
فيضطر (أسامة بن زيد) أن يعود أدراجه إلى المدينة
ليجد حالة من التفكك والتخبط بين صفوف المسلمين بعد أن بُويع أبو بكر الصديق للخلافة.
حيث تزامن ذلك مع اضطراب الجزيرة العربية بأكملها وارتداد أغلب المسلمين للكفر بعد وفاة النبي .
وهنا يبرز لنا أعظم موقف إنساني من قِبل الصدّيق (عليه السلام) وذلك يتمثل في إفصاحه :
«والله لا أحل عقدة عقدها رســـــــــول الله، ولو أن الطير تخطفنا، والسبـاع من حول المدينـــــة».
حيث تزعزع الصحابة رأيًا بشأن خروج جيش أسامة في تلك الفترة المتوترة التي يعيشها المسلمين…
ولمّا كان إصرار أبي بكر على تنفيذ ماأمره الرسول قبل وفاته؛ أقنعه بعض الصحابة كـ(عمر بن الخطاب) بتغيير القائد لمن هو أكبر وأكثر خبرة غير أسامة إبن السبعة عشر عامًا.. لكن جاء رد الصديق..«ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أمنع أميرًا أمّره رسول الله عن إمارة جـيـشه؟» ليخرج بعدها جيش أسامة في سبيل الله تحقيقًا لأمر نبينا.
لن أشيد هنا فقط بمدى ذكاء وفراسة النبي وتفضيله دائما للكفاءة على باقي المعايير..
ولكن سأشير أيضا لموقف الصدّيق وأسلط إنتباهك ياقارئي ونتوقف قليلا سويا ..
هل كان يحمل الصدّيق أدنى شك من عدم قدرة أسامة بن زيد على قيادة جيش كبير من المسلمين فقط لأنه الأصغر؟!..
هل أذعن أبو بكر لأمر الرسول ونفسه قد انطوت حقدا وضغينة لإنه يرى نفسه الأكفأ؟!
حاشاه يظن أن تولية الصغير وتوفيقه يعارض إقتناعه بأنه قيمة خُلقية رفيعة وقامة عسكرية عظيمة..
وهنا يرسم لنا الصدّيق أعظم صورة لمن يتبع عقيدة (التفكير الأفقي)..
حيث أن نجاح شخصٍ ما لا ينافي نجاح الآخر ..بروز دورٍ ما لأحدهم لا يحمل الآخرين على الحقد لانحسار الضوء عليهم!..
فلا يوجد وجه مقارنة من الأساس ف«كلٌ ميّسر لما خلق له» لذا فإن مفهوم التنمر مكروه دينيًا، وتنمر المقارنات على وجه الخصوص.

ضياع المعايير وفساد القدوة

والآن دعنا نطل على عصرنا الحالي ونلقي نظرة على بعض علامات المجتمع من الأفراد حيث التأثير في الفكر والسلوك..
أو مايطلقون عليهم(القدوة)..
لنجري إستطلاعا للرأي بين فئة الشباب الصغير والذين من المُفترض أن تنساب من كفاحهم وعقولهم الحياة ..
لنستفهم منهم على بعض قُدُواتهم.
هل ستقطب لي حاجبيك عزيزي القارئ إستنكارًا إن أخبرتك على سبيل الذكر وليس الحصرأن من قُدُواتهم من هم يُعدوا أكثر شهرة لأنهم الأعلى (فولورز ) على منصات التواصل الإجتماعي رغم فراغ صفحاتهم من القيمة كخلاء الصحراء من الكلأ؟!…
وأن منهم الأغنياء بالفطرة دون بذل مجهود في يومهم أكثر من تنظيف سيارة لامبورجيني أقامت فترة راحة في الجراچ الملحق بالڤيلا الخاصة بهم؟
هذا الشباب ينساق وراء أبطال الأفلام الشهيرة والدراما من طراز الأكشن حيث التنفيس عن القوة المفقودة من ذكورهم!

لنأخذ واحدا منهم ونقعده قليلا بين سطور مقالي…
وليكن بطل المسلسلات الرمضانية وصاحب لقب (نمبر وان)..
الفنان (محمد رمضان).. وهنا يلوح في عقلي أسئلة جمة!
هل سيقبل (محمد رمضان) فيلما سينمائيا يدفعه لأن يكون فيه بطل دور ثاني لأن ذلك الأكفأ والافضل لنجاح الفيلم؟!..
ماذا إن غاب عن ساحة الدراما لتدني أعماله وانهيار شبابيك التذاكر وانخفاض الإيرادات..هل سيبقى جمهوره على الولاء والاقتداء؟!..
هل سيغيب(نمبر وان)ليحل محله (نمبر وان) آخر ينتصر في معركة الاقتداء عند الشباب ؟!..
لست بصدد الإجابة عزيزي القارئ لكن لتتموضع تلك النماذج في مفهوم (العقيدة الرأسية)..
حيث دائما الترتيب للأفضل..الأنجح..الأجمل..الأغنى..الخ.
حيث يكون صغيرنا هنا أفشل من سمير لأنه حصل على المرتبة الثانية في المدرسة..
ويكون الفلاح في مجتمعاتنا هو الأضعف ..والموظف البسيط دائما الأقل ذكاءً ..
وأبطال الدور الثاني لا يستحقون فرصة لأن يرتقوا سلم النجومية ويصبحوا (نمبر وان) كنجم فضئياتنا(محمد رمضان).

دورات تدريبية للأمهات والأباء لصحة نفسية أفضل لأطفالهم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.