محيي الشرقاوي والحياة بعد فيلم فول الصين العظيم

0

أشرف ضمر- كاتب صحفي – محيي الشرقاوي الحياة بعد الفيلم فول الصين العظيم

كل شيء كما رأيتموه، وتعرفونني جيدا، وبالطبع لا تحتاجون أن أخبركم باسمي، فأنا محيي الشرقاوي، سافرت للصين بإيعاز من زوج أمي العالمة، هي عالمة صحيح لكنها بألف رجل، من عينة زوجها اللعين، سافرت بدلا منه هو، اراد التخلص مني حتى لا أرث أمي، وأشاركه شقاء عمرها وكفاحها، وهو كثير، شقة شاسعة في وسط البلد، وحساب جار بخمسة اصفار في البنك، عمارة على الطريق الدائري، وكباريه نجمة واحدة في شارع متفرع من شار الهرم، ورقته التي اوهمني انها ستساعدني في مطار بكين لدى وصولي، والتي سرقها أستاذ زفت ممتاز الجشع، تاجر الفوانيس الطماع المتشائم، لم تكن مقلبا، بل كانت حيلة بدائية للتخلص مني، فإن فلت منها سيفتك بي الفيروس القاتل، لكن يشاء الله أن أنجو من فخ بكين، ومن سارس، لأقع في براثن يونج الشرير وعصابته الطائرة، ولولا لي الطيبة، وجدها الفيلسوف، لكنت قاتلا انا الذي على يدكم أمنح اللص دواء للسعال، من جبني، ذلك اللص الذي ارسله جدي العظيم المعلم جابر الشرقاوي، لعل وعسى يوقظ في شجاعة العائلة، لكني خيبت ظنه، وكاد أعمامي الصلع أن يقتلوني للتخلص مني، كلهم يريدون التخلص مني لسبب يخص كلا منهم.

ستموت في العشرين عودة السودان الغائب

محيي الشرقاوي الحياة بعد الفيلم فول الصين العظيم

عودة محيي الشرقاوي


واليوم عدت بالعشرين ألف دولار، جائزة المسابقة، ولأنني أتفه من أن أفكر بنفسي، سرعان ما صادرها جدي، ودون سابق إنذار، زوجني من مديحة ابنت عمي الوسطاني، كان هو وكيلها، ما دعاني للتعجب ودفعني للسؤال، أين عمي؟ بل أين أعمامي؟ تبادل جدي نظرات الارتباك مع بعضهما، وجدي قال بعدين بعدين، هل قبض عليهم؟ قال ياليت؟ قتلهم أبوموتة؟ قال ياليت كان أرحم وأشرف، فما حدث لا يقال، إنها الخيانة يامحيي، لقد اشتراهم أبوموتة اللعين، جندهم في عصابته التي صفاها البوليس بين القتل والسجن، ليتهم ماتوا قبل أن يلطخوا سمعة المعلم جابر الشرقاوي عم أشقياء مصر في وحل الخيانة يا محيي، كانت تلك المرة هي الأولى التى أري فيها دموع جدي المهيب، ما جعل مديحة التي صارت زوجتي، أن تعد جدي أنها ستعوضه عن عصابته الضائعة، واقترحت، ليتها ما اقترحت، ان اكون انا وهي عصابته الجديدة، اعترضت فنالتني زغرة من عيني جدي، وسخرية من زوجتي، التي ندبت حظها السيئ، كانت تتمنى ان يكون زوجها مسجل خطر، أو هجاما، أو حتى على الأقل نشالا محترفا، قالت الله يسامحك يا جدي، لولا معزتك وغلاوتك عندي، ماكنت طاوعتك أبدا، ما كنت تزوجت هذا الجبان، انا التي تمناني رؤساء عصابات، ومهربون، ومسجلون، أكون زوجة لمحيي؟! محيي يا جدي؟ سامحك الله.
لم يكف جدي عن تقريعي طوال الوقت بسبب كلام مديحة، وكأنهما اتفقا علي، كان كلما ينجح ابو موتة في خطف عملية منه، بفضل اعمامي، يتحسر جدي، وتقسم مديحة وتهددني إن لم أكن معها في العصابة، ستخلعني، إن لم تقتلني وتدفنني بمعاونة جدي، لم يكن معي الا أمي، التي كانت تهدد جدي بالبوليس إن لم يبتعد عني هو وابنة أخيه التي تراها شيطانة تزوجتني بالإكراه، بأوامر جدي، ولهفوا فلوس المسابقة، كانت تقول لي طلقها وأزوجك أجمل عالمة في الفرقة، سناء مهلبية، بقي يارب إما أن أكون زوجا لراقصة أو مسجلة خطر سرقة بالإكراه؟!
كنت أحب جدي وأحب مديحة، وأى فيهما شجاعة افتقدها، وفي الوقت ذاته اجتاحتني رغبة عارمة في الانتقام من أبو موتة، لهذا بدأنا التخطيط لخطفه، أنا ومديحة، وإهداءه لجدي حتى يتخلص من الحسرة، ولأقدم له أوراق اعتمادي في عالم جديد، أسميه انا وأمي عالم الإجرام، بينما يقسم جدي وزوجتي مديحة أن اسمه عالم المجدعة والشجاعة، ولهذا كانت خطة كبيرة، ومعقدة

زواج محيي من مديحة

اكتشفت، بعد زواجى من مديحة الشرقاوي بنت عمى، أنها بالفعل قلبها ميت، ولا تخاف لا من البوليس الذى تقول عليه «الحكومة»، ولا من المجرمين، الذين تسميهم «الأشباح»، كنت سأموت من الرعب فى ليلة أن فقد جدى جابر الشرقاوى وعيه إثر نوبة سكر عادية، بعد أن حفّ صينية البسبوسة التى صنعتها لى مديحة، وخبأتها فى الثلاجة المسروقة منآخر عملية، خوفًا من أن تطالها يد الجد الشره، يعشق الحلويات منذ صغره، ويضعف – رغم هيبته العظيمة – أمام قطعة بسبوسة غارقة فى الشربات ومغطاة بالعسل الأبيض والمكسرات وجوز الهند،، يجف ريقه؛ فيقلب البيت رأسًا على عقب، إلى أن يجد ما يتعبه، الحلويات التى هفّتنى نفسى عليها بعد ليلة رائعة مع حبيبة القلب مديحة، كنا قد سرقنا ليلتها حقيبة يد من صيدلية، بها ألف جنيه وهاتف غال، كان دورى هو شغل ولبخ الصيدلى مثل نجيب الريحانى فى «سى عمر»، باعت الهاتف بـ«سيجارتين حشيش»، وعدنا نضحك، فقررت احتفالًا بى صنع صينية البسبوسة فجرًا، أكلنا نصفها والباقى خبأته فى درج الثلاجة، حين فقد جدى وعيه كنت أبكى كالأطفال، زجرتنى مديحة وقالت: «هِمّ شيله معايا»، قلت لها بدموعى وارتباكى: «نطلب الإسعاف»، كادت أن تقتلنى لغبائى، «إسعاف يعنى مستشفى، إنت عارف ده مين؟ إنت هتعالج خالتك وحياة أمك العالمة؟! شيل معايا»، رفعت جدى على كتفى وساعدتنى مديحة، استقلت توكتوك من الحارة، قادته هى بعد ما أنزلت سائقه بـ«كاتر»، وبلهجة لا تقبل التفاوض أو النقاش، وأخرجت رأسها وهى تقوده بدلا من صاحبه المسجل، وأخبرته أن يأخذ المكنة من عند سيد سرنجة، طبيب العصابات والخطيرين، فى الطريق حاولتْ تفادى كمين حكومة، ولجنة مرور، وهربت من موتوسيكل يقوده أمين مباحث تعرفه، وسلكت طرقًا ومدقات ترابية، خطرة كنا نسمع فيها نقيق الضفادع متداخلًا مع صراخ وضرب نار، كان جدى يفيق للحظات، ثم يغط فى غيبوبته مطمئنًا بمجرد أن يلمح وجه مديحة أو يسم صوتها، إلى أن وصلنا لمقر سيد سرنجة، على ترعة تطفو عليها قاذورات وقمامة وسرنجات كثيرة ومناديل ورقية ملطخة بالدماء، كل هذا رأيته على ضوء كشاف حكومى كبير يحيط به الهاموش والناموس والرائحة الكريهة، وما إن سمع سيد سرنجة صوت مديحة يناديه، حتى خرج مهرولًا لحفيدة سيد المعلمين وعم الأشقياء، أسعفه بسرعة وعلى عجل، فصوت ضرب النار يقترب، ويظهر إن الحكومة مرشقة المكان ربنا يستر، لا أحد يسألنى كيف عدنا بجدى، أو بالأحرى كيف عادت بنا مديحة فى دراجة بخارية بدون لوحات معدنية، اخترقت الحقول والظلام وضرب النار والصراخ، قادته هى لجنونها المعتاد، وجَدُّنا جابر وراءها، بينما أنا أتشبث فى جلباب جدى، فى ليلة اعتقدت أنها آخر يوم فى عمرى.

“حبيب” فيلم قصير يرصد حالة إنسانية فريدة.. شاهد الآن

صعود نجم جابر الشرقاوي


فى الصباح، أيقظتنا مديحة بفطورها الجميل، وكأن شيئًا لم يحدث بالأمس، بيض عيون وفول بطحينة، وبسطرمة وتفاح أحمر شرائح وبطاطس، كانا يأكلان بنهم وأنا أنظر إليهما، وأسمعهما يتحدثان عن خطة اصطياد أبوموتة، لم تعد بدلة عضلات فاندام تملأ عينى أبوموتة، باتت حيلة قديمة ومفقوسة، اعتمدت الخطة الجريئة علىَّ أنا شخصيًا، بدون تنكر، سأذهب إليه طالبًا ضمى لعصابته، ولكى أغريه سأخبره بمكان فلوس جدى جابر، وحين يأتى معى شخصيًا، سيبدأ دور مديحة الشرقاوي التى ستنتطرنا فى سوزوكى تومناية، فى المكان المنشود، الكيلو 100 طريق الواحات قبل الفجر، والباقى كله عليها، وحتى تنجح الخطة بقيت عند أبوموتة شهرًا بالكامل، والغريبة أنه حرص على ألا ألتقى أعمامى الثلاثة، عرفت منه أنهم فى عملية آثار فى الصعيد، لكنى لم أصدقه طبعًا، ولا أدرى هل قتلهم أم وشى بهم؟ طمأننى بأن حدثهم من هاتفه، دون أن أعرف رقم أى منهم، وأسمعنى أصواتهم المرحبة بقرارى السليم، فقد انتهى زمن جابر الشرقاوى، وبدأ عصر المعلم أبوموتة، قلت طبعًا، ولم أخبر هم بزواجى من مديحة، متى عدت من الصين يا ابن العالمة؟ قلت لهم منذ سنتين، سألنى عمى حمايا عن مديحة، قلت لا أراها، وبعد اطمئنان أبو موتة لى قرر أن يصطحبنى فى سيارته الجيب لطريق الواحات بصحبة خمسة من رجاله المسلحين، أحدهم يقود السيارة، فأيقنت فشل الخطة، لكن ما إن انتهينا من الدائرى، وخرجنا من أكتوبر، وصارت الصحراء والظلام حولنا، بدأت سيارة بوليس تلاحقنا، وقبل أن يشهر أحدهم سلاحه، خرج قناص منها قتل السائق فانحرفت الجيب عن الأسفلت، وانقلبت على الكثبان الرملية، وبسرعة كان القناص على مقدمة الجيب المقلوبة، وأنا أصرخ، وأبوموتة يحاول النجاة والخروج، خرج رجال أبوموتة الباقون، فاصطادهم القناص بسهولة، وبقيت أنا وحدى معه، إلى أن أمرنا القناص أنا وهو بالخروج، كان ملثمًا، وعلى وجهه «نظارة قنص» يرى بها فى الظلام، لكن صوته، يشبه صوت النساء، يا ربنا، إنها مديحة، أماطت اللثام، وخلعت نظارة القنص، وثبَّتت أبوموتة فى رأسه بمسدسها كاتم الصوت، وأمرته بالدخول فى شوال، ثم أمرتنى بربط الشوال، واخترقت الصحراء بعيدا عن اللبش والحكومة، ومع الشروق كان جدى جابر يفك دوبارة الشوال، ويصفع أبوموتة الذى قبل يديه المزينة أصابعها بخواتم غليظة جدا.
بعد ذلك بسنة تقريبا، اتلم شمل العصابتين فصارتا واحدة، زعيمها جابر الشرقاوى، ونائبته مديحة، أما أعمامى، فقد سامحهم جدى، وبدأت العصابة المدمجة عصرًا جديدًا من التعاون والاتحاد وتدويخ الحكومة، أما أنا.. فقد صرت أجبن من الأول، وأخطط للهروب إلى الصين، فقد وحشتنى «لى» وسماع اسمى من بين شفتيها، وحشتنى عائلتها وأبوها وجدها وحتى صراصيرها، بل إن «يونج» أرحم بكثير مما أنا فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.