” بابا ياجا “.. قصص رعب روسية تشبه تراثنا المصري

0

تنقل لنا الكاتبة والترجمة المصرية رولا عادل في كتابها بابا ياجا قصص رعب روسية تدور حول تراث يشبه في بعض تفاصيله تراثنا الفلكلوري الشعبي المصري والعربي يجعلنا نتساءل: هل مازالت التسلية تصلح أن تكون هدفاً في ذاتها للإبداع عموماً وللأدب على وجه التحديد؟ لعل هذا ما

وربما كان صدور كتاب ” بابا ياجا .. حكايات شعبية روسية” يحمل بعض المقترحات للإجابة عن هذا التساؤل، إذ يثبت الكتاب الذي قامت بترجمته المترجمة المصرية رولا عادل أن فعل الحكي الذي ينتج تنشيطاً للخيال فقط لا غير، دون أن يطرح رؤى عميقة وخطابات متشابكة قد يصلح هدفاً في حد ذاته، أو دون أن يستهدف العقل قبل الشعور والخيال، من خلال ما يقارب ثلاثين قصة حواها الكتاب، تحمل جميعها طابعاً خيالياً أسطورياً بشكل صريح، ولا على قصص رعب حقيقية بأي حال.

نداء الملك بعث جديد لألف ليلة وليلة

قصص رعب روسية تشبه خيالنا العربي

كتاب ” بابا ياجا ” يضم مجموعة حكايات جمعها الكاتب الروسي ألكسندر أفاناسييف، وتدور معظم القصص الواردة فيه حول عوالم الساحرات الشريرات واللاتي يعرفن باسم “بابا ياجا” كلقب متفق عليه في التراث الروسي للساحرة الشريرة، وهو ما يعد تدوير للعجوز الشريرة التي ترد في كثير من حكايات التراث العربي والعالمي، مثل “أمنا الغولة” أو “المرأة العجوز المخيفة داخل غرفة الفئران” و”النداهة” و”أبو رجل مسلوخة” وغيرها من الأيقونات التي ارتبطت في ذاكرة كثير من الناس على اختلاف أجناسهم بتصورات مريعة بالفعل وجعلت تلك الحكايات قصص رعب، أو كما قال رولان بارت في مقال افتتاحي له في مجلة “آراء/ بلاغات” تحدث فيه عن شمولية مفهوم الحكاية: “ما أكثر حكايات العالم! وأول ما يبهرك فيها كثرة أجناسها”.

زمن الحكايات

تتحرك حكايات “بابا ياجا” في أزمنة مجهولة قد مرت بالفعل، وغير معلومة، وهي الثيمة الحكائية المفضلة للأطفال على وجه التحديد، وتنتهي معظم هذه الحكايات بانتصار الخير، أو بإنقاذ الأميرة المختطفة أو الشخص المظلوم أو الفتاة البريئة.

وربما كانت أصول بعض تلك القصص تتشابك مع أصول حكايات الأمهات والجدات في ثقافتنا، كذلك بما تستدعي بعض تلك الحكايات بعض القصص التراثية، كقصة الطفل الذي كان يتردد إلى كاهن وساحر إلى أن آمن في النهاية، وغيرها من قصص الرعب المستقرة في ذاكرتنا العربيةـ والتي تختزن إيماناً بأن بعض الأفلام قد تكون تحمل نهايات مأساوية رغم كونها قصص حقيقية.

يحتوي الكتاب عملاً لـ “تولستوي” عملاق الأدب الروسي ضمن قصصه؛ ما يشير إلى إيمان أساطين الكتابة بالحكاية وما تنتجه من تسلية كقيمة في ذاتها، وإلا ما كان صاحب “الحرب والسلام” و”أنا كارنينا” كتب قصة تتضمن حكاية بسيطة عن لص أراد أن يسرق بعض ثمرات الخيار.

الكاتب والمنفى:الكاتب بين مطرقة الأنظمة الاستبدادية وسندان المنفي

تولستوي مفاجأة الكتاب

لكن قصة تولستوي في الوقت ذاته تتميز عن بقية قصص الكتاب بتكثيفها، واعتمادها على فكرة التدوير التي تساوي بين مصائر الناس في النهاية، عن لص دخل حديقة بيت ليسرق بعض ثمرات الخيار، ويشطح به خياله بعيداً أنه سيبيع هذه الثمرات كي يشتري دجاجة تبيض له أفراخاً حتى تكبر، ومن ثم يبيعها ليشتري خنزيراً… إلى أن يشتري بيتاً له حديقة يزرع بها بعض الثمار، وسيكون عليه حراساً، وهنا اندمج السارق في خياله فصاح: أيها الحراس أمسكوا باللص، ليقبض عليه حراس الحديقة التي يقف بها بالفعل في انتظار أن يسرق ثمرات الخيار في غفلة منهم.

وقصة تولستوي وإن كانت قد أعلت من قيمة الحكي مثل بقية قصص كتاب بابا ياجا، إلا أنها استعملت تقنيات كتابية أخرى لعل أهمها التكثيف، وكذلك صدرت خطاباً ثقافياً يتعلق بتدوير فكرة الضمير الإنساني بين الناس، واختلاف نتائج اختبارات الإنسان وفقاً لتغير حاله بين الغنى والفقر، وما يمكنه أن يحدث الخيال من أثر كبير في حياة الناس.

وتشير إلى أن المرأة الروسية في تلك الحكايات – طيبة كانت أو شريرة- فإنها صاحبة موقف قوي وصوت جلي وعالٍ، يلجأ إليها العديد من أبطال تلك القصص طالبين منها المساعدة أو المشورة أو حتى الدعم النفسي.

الحكمة يمكن أن تأتي من قصص رعب روسية

وأوضحت المترجمة المصرية الشابة أن كل القصص والحكايات تنتهي دائماً باكتساب حكمة، أو في حالة حكايات المغامرات بالعودة إلى الديار والنهاية السعيدة، وهذا نابع من إيمان شعبي روسي بلزوم الثواب بعد طول الجهد، ولهذا تتعمد بعض القصص الإطالة في مغامرة البطل واختراع العقبات؛ فالنهاية السعيدة تأتي لمن يثابر ويستحق، هذا ناهيك عن قصص الحب التي تنتهي دائماً وأبداً بزواج أو حفلات زفاف، فلم تكن قصص رعب فقط، بل دائمًا ما تحتوي على نهاية سعيدة أو حكمة.

كيف تربك مغرداً؟ عن الكتابة الإبداعية والشهرة والتحقق

بابا ياجا.. بين الرعب والحس السياسي

وقد قدمت رولا عادل في ترجمتها لكتاب “بابا ياجا”، والصادرة في طبعتها الثانية عن دار “كتوبيا” منذ أسابيع قليلة، بأن بعض تلك الحكايات الشعبية القديمة يحمل طابعاً سياسياً ناقداً لسلطان القيصر وأطماعه، ومنها ما يخبر عن عاقبة التخاذل أو ضعف الحيلة، وربما هذا هو السبب الرئيسي في تطوع العديد من الكتاب الروس لجمع مثل هذه الحكايات كشكل من أشكال حفظ التراث الإنساني عامة، والروسي بشكل خاص.

لم يلتفت كتاب “بابا ياجا” الذي يضم مجموعة من الحكايات إلا لفعل الحكي بوصفه هدفاً في ذاته يستحق السعي والتوثيق، بما يحققه من تواصل مع المتلقي بغض النظر عن فئته العمرية أو مخزون قراءاته وخبراته الثقافية بشكل عام، بما يطرح سؤالاً آخر: هل يمكن لعمل أدبي أن يحقق أثراً مع الكبار والصغار على حد سواء؟ أحياناً يظلم الناقد والقارئ المتمرس مثل هذه الكتب لمجرد احتوائها على ما يسميه صص رعب للتسلية، رم أن التسلية في ذاتها أول أهداف الفن بشكل عام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.