ستموت في العشرين عودة السودان الغائب

0
الفيلم السوداني ستموت في العشرين

تذكرني قصة فيلم “ستموت في العشرين” والذي يعرض حاليًا على نتفليكس بحكاية قروية يتناقلونها فيما بينهم، تحكي عن القدر الذي لا يعانده أحد، يقولها الكبار للصغار الذين يظنون أنهم قادرون على تغيير الواقع، تحكي عن رجل أنجب ابنًا بعد سنين لا تعد ولا تحصى من الحرمان، وحينما ولِد له الطفل خرج به سعيدًا، ولما رأته والدته قالت انه ابن موت، فلم يصدقها وذهب به إلى أحد المنجمين، وهناك أخبره الرجل أن ابنه سيموت غريقًا، لم يذكر أي عمر، ولكنه ذكر الكيفية، وحينما كبر الفتى خاف عليه الرجل، واهتدى لأن يقيد قدمه في السرير، ويضع أمامه طبق طعام وطبق ماء، وخرج الرجل إلى العمل، وحينما عاد أخر النهار، وجد ابنه ميتًا، وجهه في طبق الماء، غريقًا كما قال المنجم، ستموت في العشرين يرصد حالة اللوعة التي يشعر بها الأبوين حينما يعرفان أن ابنهما سيموت قريبًا.

ستموت في العشرين أم النوم عند قدمي الجبل

قدم الفيلم الروائي الطويل ستموت في العشرين، قصة الكاتب الرائع حمور زيادة النوم عند قدمي الجبل، في تصوير رائع ومميز، حكاية المزمل ولد النور الذي باركه الخليفة، وبينما هو يعطيها بركته صدح أحد المجاذيب وهو يهتز “سبحان الله واحد، سبحان الله اثنين، سبحان الله ثلاثة، وحتى وصل العشرين أصابته رعده وما عاد ينطق، ليشعر الحاضرون بالشفقة على أمه وأبيه، ويطلبون من الخليفة رد الفأل فيخبرهم أن قضاء الله نافذ، ليعيش المزمل كميت بين الأحياء!

القصة والفيلم

في القصة لا يبذل الأبوين أدنى جهد لكي يحاولا دفع القدر عن ولدهما أو حتى تكذيبه، إنما تزداد أمه لصوقًا به، فتمنعه عن اللعب مع الأطفال، حتى لا يغيب عن ناظريها، تقرر أنه ولد موت فمن الأفضل أن تستمتع بصحبته حتى يأتي القدر بما قد كتب له، تدون في ورقة عمرة، تعد أيامه، ليس إلا، والفيلم لا يختلف كثيرًا عن الفيلم فهو يرسم ردود أفعال محبطة للغاية، ربما المبرر لها هو أن الأب والأم جاهلان، وأن بيئتهم ونشأتهم البسيطة تجعل كلمة الولي الصوفي، سيف ماض فهو الناطق بما يجريه الله على لسانه، فيهرب الأب لأنه لا يستطيع أن يشهد موت ابنه الثاني، وتخمش الأم الحائط لتعد سنوات ابنها، لتعرف كم بقي على فراقهما، والناس في القرية لا يرون المزمل في اي طريق إلا ويشفقون عليه، ويطلبون له الرحمة بينما هو ماشيًا بينهم، إلا واحدة هي تلك الفتاة التي رآها بينما يحفظ كتاب الله، هي التي لا تصدق في موت مزمل!

ستموت في العشرين عودة سينما السودان الغائبة

كان هذا الفيلم بمثابة الروح التي عادت للسودان بعد غياب ام عشرون عامًا عن الساحة الفنية، ربما بسبب الطريقة التي كانت تُدار بها الأمور هناك، فقد عانت السودان لسنوات من التضييق على أهلها من أي فسحة ثقافية أو فنية، ولكن هل كانت تلك العودة، عودة قوية، تليق بتعويض الحرمان الذي كانت تعانيه، بالنظر إلى ردود الأفعال من المشاهدين، والإقبال الجماهيري الذي شهده الفيلم، نقول أنها عادت بقوة، وبالنظر إلى أيضًا إلى الجوائز التي حصل عليها، فقد حصل الفيلم على جائزة أسد المستقبل في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، كما حصل على جائزة التانيت الذهبي في مهرجان أيام قرطاج السينمائية، كما عرض الفيلم في مهرجان الجونه السينمائي في دورته الرابعة لهذا العام، وقد قوبل بالحفاوة الشديدة، ولكن هل هذا يكفي لكي نقول أن الفيلم فعلًا كان رائعًا.

ستموت في العشرين فيلم يعبر عن الموت ببراعة

إن كانت رؤية الفيلم أن يخرج بتلك الصورة ليعبر عن حالة الموت التي يعيشها البطل وأسرته، بل وقريته كلها فقد نجح في ذلك بشدة، فالفيلم يخلو من الصراعات، أو التحولات في الشخصيات، حتى شخصية المزمل لم يقدمها الممثل إلا من خلال أداء واحد طوال الوقت، انفعالات باردة، حتى حينما يتقاطع طريقة مع ذلك الرجل الذي يظهر عكسه في كل شيء، لا يتحرك الفتى يظل في دوره كمستمع، دور هامشي، لا تشعر بوجوده ولا تراه، حتى الفتاة التي كانت تحبه، كانت انفعالاتها باردة على الرغم من أنها تمثل الجزء المجنون في الحكاية، الفتاة الذي لا تهتم للموت، وتحب الفتى على الرغم من أن الجميع يخبرها بأنه لا مستقبل له، سيموت الفتى اليوم أو غدًا، أما عن سكينة فقد كانت هي رمانة ميزان هذا العمل بأداءها المتميز، تشعر معها أنها أمًا بالفعل.

مشاهد تثير الشجون

إن أفضل ما قدمه الفيلم بالفعل، كان هذا الجو المثير للشجون، كل لقطة، ومشهد تم تصويره ببراعة، الأضواء الخافتة، الأجواء المظلمة، النور الذي ينبعث في المشاهد المفتوحة، كان كل ذلك أفضل ما في الفيلم، يمكننا القول أن المكان هنا كان بطل الحكاية بحق، فالأم التي تحلم أنها وسط الصوفية، والأم التي تسكب الماء لتمسح أثار عدها لسنين ولدها، والألوان المبهجة في العرس، والمكان الفوضوي الذي يعبر عن صاحبه ببراعة، كل تلك المشاهد قد كونت فيلمًا مختلفًا، نتمنى أن يفتح بابًا لخروج أفلامٍ أخرى وألا يطول غياب السودان مجددًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.