أغاني فيروز بهجة لا تنقضي.. كل سنة وأنتِ بهجتنا يا أم زياد

الكاتب الصحفي الكبير / أسامة الرحيمي: في الساعات الأولى من عامنا الجديد هذا (2021)، لو أحببت اختيار إنسان واحد لأقول له: «كل سنة وانت بهجتنا» فلن تكون غير العظيمة ” فيروز “!

فلم أتمتع طوال عمري «بفرح مجدول بالشجن» كما منحه لنا صوتها الباهر، وسيبقى!

هكذا خُلق. جوابه مبهج، وقراره شجيّ، ومداهُ عذوبة!

فحين تصدح بـ: « دبكة لبنان بالملقى.. دبكة شيّلِ السواعد » تنشر الفرح في قلوب مستمعيها من فورها، وتهزّ أبدانهم، وتبلغ ذروة فعلها بقولها: « طلُّوا الغِزلان تيشوفوا.. والساعد يشبك ساعد.. نزلوا الصبايا يضحكوا بخصورن العيُّوقا..» تماما كما تغني بشجن: « يا طير يا طاير ع اطراف الدِنِيِ.. لو فيك تحكي للحبايب شو بني.. يا طير..»!!

 6 خطوات فقط تحافظ بها على أصدقائك

 مولود سنة 80 ! هل نشر حمزة نمرة الألبوم في ذكرى يوم مولده؟

تناشد الطير إبلاغ الأحباب معاناتها بعذوبة صافية، تنطوي على تصعّب خفي، لكنها لا تخلو من ترفُّع: « روح اسأل ع اللي وليفو مش معو.. مجروح بجروح الهوى شو بينفعو.. موجوع ما بيقول ع اللي بيوجعو».

فرصتك الآن.. مسابقات عربية مفتوحة لكتاب القصة والرواية

فيروز بهجة لا تنقضي.. كل سنة وأنتِ بهجتنا يا أم زياد

فأيّ فرح، وأيّ أسى!. يتجاوران في حنجرتها السخية، يوفقان بلا تعارض، بين حزن التراتيل الكنسية التي قدمت منها الكثير، ودقَّات الدبكة المنطلقة، وزغاريد الفرح المحلِّق، فيمتزجان كالسوائل في سائر أغنياتها ليمنحانا هذا البهاء السحري المتجدد.

بداية الحكاية

أول مرة سمعتها من شريط اشتراه أخي أواسط السبعينات، وضحكت وقتها باستمتاع وبراءة لقولها: « حبّيتك بالصيف.. حبيتك بالشتيِيِ.. نطرتك بالصيف.. نطرتك بالشتييِِ »، فلم أكن أعرف شيئا حينها عن اختلاف اللهجات العربية، وكلمة « نطرتك » في عاميّتنا تعني « ألقيتك بعيدا »، وفي لبنان والأغنية الجميلة تعني « الانتظار »، ففتحت عيني بشغف على عالم اللهجات العربية الشاسع الممتع!

وتعجبت لحرص أخي على حضور حفلتها عند سفح الأهرامات عام 1979، وبعدها سألته عما رآه هناك، فلم يفدني بشيء ذي بال؛ ما جعلني أتابع تفاصيلها في الصحف باهتمام، وعرفت عنها معلومات أكثر، وباتت أخبارها متعة، ومن وقتها أصبحت أسمعها، وأقتني أشرطتها.

انفتح عالم فيروز والرحابنة (عاصي ومنصور وابنها زياد) المدهش على ثراء وتنوع لا نظير له، من الحفلات الرائعة، إلى المسرحيات الغنائية، ثم شاهدت فيلمها «بيَّاع الخواتم لاحقا». لكن سرعان ما هيمنت أوجاع الحرب الأهلية اللبنانية على الجميع، وسمعت لأول مرة كلمات مثل «الميليشيات» و«الطائفية»، ودفعني القتال العبثي، والقتل على الهوية، وسفك دم إخوة الوطن بسهولة مرعبة، والاجتياح الاسرائيلي، والدمار المخيف، إلى متابعة أخبار البلد الجريح، وربما كان هذا أحد أسباب الحزن المقيم في صوت فيروز.

فيروز بهجة لا تنقضي.. كل سنة وأنتِ بهجتنا يا أم زياد

فيروز كمعادل للوطن

وأكبرتها، وأحببتها أكثر حين عرفت أنها رفضت مغادرة بيروت، وبهرني أنها ربما كانت الشيء الوحيد الذي لم تختلف عليه «الميليشيات»، وظلت آمنة في بيتها، وكأن غناءها العظيم كان فرصتهم الوحيدة للتطهر، وإيجاد شيء تتفق عليه الطوائف اللبنانية.

ولا أظنني أبالغ إذا قلت أن العرب جميعا أحبوها بقدر اللبنانيين. وربما باتت فيروز عندنا أيقونة للبنان أكثر من شجرة الأرز الموسوم بها علم الدولة. فما قدمته للعرب من جمال وبهاء أكثر مما تحتمل القلوب من الفرح، والشجن.

لهواة التصوير بالكاميرا أو الهاتف.. مسابقات تصوير بجوائز مذهلة.. تقدم الآن

ولا أنسى أبدا تلك اللحظة الأولى التي سمعت فيها أغنية «وقّف يا أسمر.. فيه إلك عندي كلام.. قصة عتاب وحب وحكاية غرام.. هالبنت يللي بيتها فوق الطريق.. حمَّلتني اليوم لعيونك.. استخلصتني وخبَّرتني شو بها.. حدثتني عن هواها وحبها.. قالت انت كتير حارق قلبها.. وبتستحي تقلّك وبتخاف الملام.. قال لمّا بتلمحك بين الشباب.. بتحس برعشة لذيذة واضطراب»، ومن لحظتها أحببت لوني الأسمر، وظللت أترقب تلك الرسالة التي لم تصل، لكن قلبي مفعم ما يزال بعطرها.

وحين قالت بصوت موحٍ ينعش القلوب، ويضرب على مكامن «الشقاوة» في الصدور:« فايق لمّا راحوا  أهالينا مشوار.. تركونا وراحوا قالوا ولاد صغار.. ودارت فينا الدار ونحنا ولاد صغار.. والهوى جمّعنا وفرّقنا الهوى.. ».. أي جمال هذا الذي يلتصق بجدار القلب فلا يفارقه، وتتردد أصداءه كلما تشابهت معانيه النابضة مع مصادفات الحياة!

ولكثرة أغاني فيروز نَحَارُ في تذكر تجلياتها التي تتزاحم على الذاكرة.. «نفتكر لها إيه ولاَّ إيه!» فمعها لا حدود للبهاء. 

زياد رحباني الملحن اللبناني وابن السيدة فيروز

حاتم علي مخرج برتبة مؤرخ.. أعمال لن تصدق أنه رفضها

التنمر.. ماشي يا أم الطرشة !! يسرا اللوزي ليست الضحية الأخيرة للسوشيال ميديا

التصوير في حياتنا موضة أم حاجة ” إذا زاد الشئ عن حده انقلب ضده”

بوابة العرب لجمال زياد

وسمعت كلاما لطيفا عن محبتها الفائقة لابنها «زياد»، فأحببته بدوري، واكتشفت عالمه المذهل، متمرد ومختلف، وحاول أن يجعلها تغني له، فترددت في البداية، لاعتيادها ألحان والده وعمه «عاصي ومنصور»، لكن قلب الأم، وتمايز ألحانه، وجِدَّة كلماته، وأفقه الفكري العميق شجعوها على إطلاق أغانيهما البديعة، وأكثر ما أدهشاني به في البداية: « رفيقي صبحي الجيز.. تركني عالأرض وراح.. رفيقي صبحي الجيز.. حط المكنسة وراح.. ما قلي شو بقدر أعمل.. لملايين المساكين.. رفيق يا رفيق.. وينك يا رفيق.. حملتني اشيا كتييري..حجار وغبرة وصناديق.. غيرتلي اسمي الماضي.. عملتلي اسمي رفيق.. رفيق ما عندي رفيق.. ورح يبقى اسمي رفيق»، وتزول الغرابة حين نعرف أن «صبحي الجيز» هو عامل جمع قمامة، ظل طوال الحرب الأهلية، ينزل إلى الشوارع يوميا ليمارس عمله بكنس الشوارع، وسط الأنقاض والقذائف، حتى عرفه كل أهالي بيروت، والميليشيات المتقاتلة، وصار رمزا لمقاومة الحرب، والإخلاص للوطن في أبسط وأنبل صوره، إلى أن أصابته طلقة طائشة فأردته، وبكاه الناس جميعا، وبكاه زياد، ورثاه بهذه الأغنية الفريدة الشجية، بكلماتها الخالية من أي شيء غير الحزن على «صبحي الجيز»، ولم تترد العظيمة في غنائها كما غنَّت للبنان وبغداد ومصر، كما لم يتردد «زياد» أبدا في إبداء انحيازاته.

كان من حظي أن أشاهدها هي وزياد أمامي مباشرة على المسرح، في حفل بالجميرا بيتش بدبي عام 2001، وكان صوتها الذي سمعته لأول مرة أواسط السبعينات، قد اكتسب زخم خبراتها الواسعة، ودُربتها المتزايدة.

يومها استوقفتني أغنية ما زلت أراها مذهلة، ووحيدة من نوعها في الغناء العربي، «كيفك انت»:

تذكر آخر مرة شفتك سنتا

تذكر وقتا آخر كلمة قلتا

وما عدت شفتك

وهلق شفتك

كيف انت  مَلَّا  انت

بتذكر آخر سهرة سهرتا عنّا

بتذكر كان فيه واحدة مضايق منك

هيدي إمِّيِ

بتعتل همّي

منك انت  مَلاَّ انت

كيفك.. قال عم بيقولوا صار عندك ولاد

أنا والله كنت مفكرتك برَّات لبلاد

شو بدِّيِ بالبلاد

الله يخلِّيِ لولاد

إي كيف انت  ملاَّ  انت

بيطلع ع بالي

إرجع أنا ويَّاك

إنت حلالي

إرجع أنا ويَّاك

أنا وانت  ملاَّ  انت

بيطلع عبالي

إرجع أنا ويَّاك

أنا وانت ملاَّ  انت

بتذكر آخر مرة شو قلتلِّيِ

هذه الأغنية الفريدة تغنيها سيدة لحبيبها الذي فارقها منذ سنوات بعيدة، وتصورت أنه غادر البلاد لأنها لم تره لسنوات طويلة، وعرفت أنه صار أبا لأولاد من زواج آخر، لكنها لا تعترف بالزمن، فتتذكر تفاصيل «آخر مرة» كانا فيها معا، وكيف ضايقته أمها التي «تَعتِل هَمَّها»، وتعود لتقول له بثقة وتساؤل واستفسار:

 بيطلع ع بالي

إرجع أنا ويَّاك

إنت حلالي

إرجع أنا ويَّاك

أنا وانت  ملاَّ  انت

فبالرغم من كل ما جرى، من ابتعاد، وزواج وأولاد، ما تزال تراه حلالها هي، و«بيطلع ع بالها» أن تعود معه، وله !!

فهل ثمة تعبير عن الحب غير التقليدي أجمل وأكثر حداثية من هذا، فيه إطاحة بالمخاوف الاجتماعية، وكافة محاذير الإفصاح عن مكنونات القلب.

زياد رحباني

 قصة ياسمين يحيى مصطفى مع وكالة ناسا .. لماذا أطلقت الوكالة الدولية اسم الطالبة المصرية على كويكب لها؟

173 ألف ريأكت أغضبني على بوست التهنئة ! تفاصيل ترقية مدرس بكلية العلوم التي أشعلت موقع فيسبوك

ومن جمالياتها اكتفاء زياد بالبيانو ليُعبِّر عن هذا الحب العجيب، بما يشيعه من نغمات الفرح والبهجة، عكس إيحاءات الحزن الكامنة في الكلمات، والكلمات ذاتها حداثية كنصوص النثر التي أفلتت عمدا من عراقيل القوافي والسجع، وكأنها ترديد لما يعتمل في روح تلك السيدة التي أعتقت نفسها من الممنوعات وأثقال المسكوت عنه، وعبّرت عن حبّها الذي قاوم الزمن، وما يزال يتعشم في وصل الحبيب بكل ما استجد عليه من أعباء.

ولا أحد بالمطلق يمكنه أن يقدم هذه الأطياف من جماليات الغناء وتجلياته غير العظيمة «فيروزة الطرب العربي»، التي بقيت لأكثر من ستة عقود، تصب عذوبة صوتها في قلوبنا فتخفف عنها، وحزنها الخفيّ في أرواحنا لتضفي على فرحنا وقار الشجن!   

لكل هذه الأسباب، وأكثر، أقول للمطربة العظيمة « فيروز »:

« كل سنة وانت بهجتنا يا أم زياد »!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى